المهم المضمون لا الوعاء







.

يدور جدل يرتفع حيناً ويخفت حيناً، موضوعه انحصار مد الكتاب الورقي وحضور الكتاب الإلكتروني.

الحقيقة أن مناقشة لمن ستكون الغلبة في المستقبل، أو هل سيستمر الكتاب الورقي في حضوره أم أن الإلكتروني سيحتل مكانه وينتشر، خاصة أننا نرى تصاعد نجمه بتوفيره للمال وتزايد المنصات التي تروج له، فضلاً عن سرعة الحصول عليه، توضح خفوت الحماس وكأن العد التنازلي بدأ، ولمثل هذه الكلمات ما يعززها من الواقع الذي نعيشه ونلاحظه.

صحيح أن المهم في هذا السياق هو فعل القراءة وليس محتواه سواء أكان ورقياً أم إلكترونياً، ومع يقين تام بأن هناك قطاعاً واسعاً من الناس يفضل الكتب الورقية لأنهم اعتادوا على ملمسها بل حتى على رائحتها، وأقول اعتادوا، لكن هذا القطاع الواسع من الناس هو أنا وأنتم ممن عشنا فترة وهج الكتب الورقية وأيضاً نعيش حقبة الكتب الإلكترونية، ورغم هذا نجد أصواتاً من بيننا تتحمس للكتاب الإلكتروني. وهذا يوجهنا نحو السؤال الحقيقي الذي يمكن أن نطرحه: ماذا عن الجيل الجديد من الأطفال، ممن هم في العاشرة من العمر وأقل، هؤلاء، هل هم أيضاً يتفقون معنا في روعة وجمال القراءة الورقية، وبأن لها ذوقاً ونكهة تختلف عن برودة وجمود الإلكترونية؟

هذا الجيل ومن سيأتي من ورائهم يعتمدون كلياً على الألواح الإلكترونية، هذا الجيل هو الذي فتح عينيه على حقبة الاتصالات المتطورة وتقنيات الإنترنت المهولة، ويستخدم منذ نعومة أظفاره هذه الوسائل الحديثة، حتى مناهجه الدراسية وواجباته والملاحظات والمراسلات تتم جميعها إلكترونياً، فهل نعتقد عندها أنه سيكون متحمساً للكتاب الورقي؟

عندما نطرح مثل هذا الموضوع للمناقشة يجب أن نبعد التجربة الذاتية والرغبة والحب ونتجرد وننظر للموضوع من زاوية أكبر وأبعد من تلك المتعلقة بما اعتدنا عليه، يجب أن نستحضر ممارسة الجيل الجديد واهتماماته، ثم نقوم بصنع الكتب وفق تطور عقولهم وبواسطة الوعاء الذي سيتعاطون معه ويستخدمونه، وليس وفق رغبتنا نحن، لأن الجوهر والكلمة الفصل هي للمعرفة نفسها بغض النظر عن أو الوعاء أو القالب الذي جاءت في إطاره.