الجهل أرحم






.

ألم يمر بكم في لقاء علمي أو في اجتماع عمل أو في حلقة عصف ذهني أو في ورشة تدريبية أو في محاضرة علمية أو نحوها، أن تجد أحدهم لا يفوّت أي فرصة إلا ويتحدث ويقاطع المحاضر، أو المعلم ويتكلم بمعلومات خاطئة عن الموضوع، وفي كل مرة يتم التصحيح له والتعديل على كلماته، لكنه سرعان ما يعاود المقاطعة بحماس أكثر فيستهلك الوقت ويضيع الجهود ويصبح كأنه هو الوحيد في القاعة، والمشكلة أنه لم يقدم أي معلومة صحيحة، فيتحدث المحاضر عن حقائق علمية وتجده يتحدث عن نظريات، وتجد الأستاذ يتكلم عن معلومات مهمة تساعد على التغلب على صعوبات وظيفية أو علمية أو قد تكون لب المحاضرة أو الورشة التعليمية وموضوعها الرئيسي، وهو في عالم آخر من الحديث السطحي، وكأنه في مناظرة أو مجلس للدردشة مع أصدقائه، وعندما يتم إسكاته بحقائق يردد بأن هذه وجهة نظره وهذه آراؤه، فلا يفرق بين الرأي الشخصي والحقيقة البديهية، التي لا تحتمل القسمة على اثنين.

أتوقع أنكم بطريقة أو بأخرى التقيتم أو صادفتم هذه النوعية من الناس، تلك التي تعتقد بأن لديها علماً وبأنها تستند على كنز معرفي كبير والحقيقة أنهم لا يملكون العلم الكافي ولا المعارف التي يحتاجونها، ورغم هذا قد تسأل عن سبب كل هذه الثقة في النقاش والحوار الذي لا يستند على شيء حقيقي وواضح ولا يقف على أرضية صلبة من العلم، الإجابة وباختصار شديد: إنه «وهم المعرفة»، نعم هناك شريحة واسعة تعتقد بأنها تعرف وأن لديها معلومات حول الموضوع المطروح، ولكن معلوماتهم إما أنها سطحية أو تجاوزها الزمن أو أنها خاطئة.

مشكلة «وهم المعرفة» من أكبر العوائق التي تحد من التعلم، وهي أيضاً وكما هو واضح من اسمها توهم صاحبها بالكفاية المعرفية فتمنع عنه التعليم، لأنه يتعالى على العلم وكأنه لا يحتاجه، سبق وقرأت في كتاب علم النجاح للمؤلف تشارلزجي كوك، كلمة بليغة توصف هذه الحالة لدانييل بورستين، جاء فيها: «العقبة الكبرى أمام الاكتشاف ليس الجهل، إنما وهم المعرفة»، عندما يكون الإنسان غير ملمّ بموضوع ما ويجهل تفاصيله، وعندما يسلم بعدم المعرفة، فإنه يفتح الباب للتعلم والتعليم، ولكن عندما يكون أحدهم جاهلاً ولكنه مؤمن تماماً بأنه متعلم فكيف السبيل ليتعلم، وهذه الفئة تحديداً كيف لها أن تخطط للمستقبل وتقود فرقاً للكشف والإبداع والابتكار.