أمانة من نوع آخر


يغلب على الأخبار التي تصلنا بين وقت وآخر الحديث بشكل متواصل ودائم عن التطورات المتتالية في العالم. وفي خضم كل هذه التقنيات الحديثة، يتم تجاوز مواضيع حيوية وهامة، ولها تأثير مباشر في الحياة البشرية برمتها، مثل موضوع الغذاء والجوع في العالم الذي يتنامى ويتزايد يوماً وراء الآخر. ومشكلة الغذاء تستفحل، لأن مسبباتها متعددة، ومتنوعة، فالأرض الزراعية تتناقص مع المد العمراني، وأيضاً مع انخفاض خصوبة الأراضي، والنمو السكاني الذي يصفه البعض من العلماء بالانفجار السكاني. فضلاً عن هذا تأتي قضايا ملحّة، مثل التغير المناخي، وتزايد حرارة كوكب الأرض، وظاهرة قص واقتلاع الأشجار، ما أدى لانحسار الغابات بشكل واضح، ومعها تناقصت المراعي الخصبة. وهذا التناقص أدى، من دون شك، لانقراض البعض من الحيوانات التي لم تجد الغذاء، ولا المراعي التي كانت تجد فيها الطعام الوفير، وعندما ينقرض نوع فإن هناك نوعاً آخر يعتمد عليه سيصبح مهدداً، وهكذا تستمر سلسلة من النزف البيئي، ولا ننسى معضلة الصيد الجائر للحيوانات التي أدت إلى خلل جسيم في التركيبة البيئية الضعيفة التي دمر البعض منها تماماً، والبعض منها واهن، ولا ننسى المشاكل الجسيمة التي تقع في البحار والمحيطات، من رمي المخلفات الصناعية والكيماوية، وبينها مخلفات لا يمكن للبيئة صهرها وامتصاصها، حيث تبقى ماثلة تسبب ضرراً مستمراً. ويواكب هذا صيد جائر للأسماك، وساعد في تنامي هذه المشكلة تطور أساليب الصيد، حيث بات المركب الواحد يمكنه صيد آلاف الآلاف من أطنان الأسماك، وتعليبها وهي في البحر، ورمي المخلفات المتبقية قبل الوصول للميناء للتفريغ والشحن من أجل التصدير. وتطور وسائل وطرق صيد الأسماك مكّن بضعة صيادين على مركب متواضع، أو متوسط الإمكانات من الإبحار إلى وسط البحار والعودة في بضعة أيام، وهو محمل بأطنان من الأسماك، ما سبب شحاً لبعض أنواع تلك الأسماك، والبعض منها بات مهدداً بالانقراض، وأخرى فعلاً انقرضت. من دون أدنى شك فإن التطورات والتقنيات الحديثة ساعدت وبشكل واضح في عمليات التجريف ضد البيئة، وضد أيضاً المخلوقات الأخرى التي تشاركنا العيش على هذا الكوكب، وهي أيضاً ساهمت في جوانب كثيرة في تقديم حلول وعلاجات، لكن الدور المحوري والهام يقع على الإنسان، ومدى وعيه، ومعرفته بحجم الأضرار التي يحدثها عن قناعة، وعن سبق من الإصرار والتعمد. الحياة الحيوانية والبيئية هي أمانة لدى كل واحد منا، ويجب أداء هذه الأمانة على الوجه الأكمل.