ماذا تأكلون في الصحراء؟

.

مع الثورة التقنية بصفة عامة والتطورات المهولة في مجال الاتصالات، وخاصة ما أحدثته شبكة المعلومات «الإنترنت» وما يعيشه عالمنا من تقارب لم يشهد له مثيلاً وأقصد تحديداً التواصل بين الأفراد من مختلف المجتمعات، وهو تواصل سريع وغير مكلف لا مادياً ولا معنوياً، والذي أدى إلى تبادل غزير للآراء وتنقل مرن للأفكار، لا تخفى ملامحه ولا أوجهه المتعددة، أستحضر قصة إحدى الصديقات حكتها لي وقد وقعت لها قبل نحو 15 عاماً توضح أثر مثل هذا التواصل بين المجتمعات البشرية البعيدة. تقول: تلقيت رسالة من فتاة على الجانب الآخر من الكرة الأرضية سألتني: ماذا تأكلون في الصحراء؟ وكان واضحاً أنها لا تعرف طبيعة حياتنا ولا البيئة التي نعيش فيها، لذا قمت بإرسال صور لحياة الآباء والأجداد وكيف عاشوا وماذا كانوا يأكلون، وأوضحت لها أيضاً التطورات المهولة التي نعيشها في ظل المدنية والحضارة والتقدم، لكنها تركت هذا جميعه وركزت على حياة الآباء والأجداد، عندها تلقيت منها رسالة بليغة ومعبرة قالت فيها: «كل واحدة منا تنتمي لعالم مختلف عن الآخر، ولكننا على الأقل نجتمع في هذا الكوكب الجميل».

لقد فهمت تلك الفتاة البعيدة والتي تعيش في مكان قصي أحوال أناس لم تكن تعلم حتى بوجودهم، وتعرفت إلى عاداتهم وتقاليدهم وطبيعة المشقة التي واجهتهم وتغلبوا عليها، ولكم أن تتخيلوا اليوم الواقع الذي يعيشه كل واحد منا في مختلف أرجاء العالم، خاصة بعد كل هذه التطورات المهولة وتسارع التقنيات ودخول مبتكرات التطبيقات والتواصل عبرها والتي مكنتنا من مشاركة الأحداث اليومية ويمكن للعالم بأسره رؤيتها ودون أي موانع أو حواجز. ومع مثل هذه التطورات وتنقلنا السريع بالصورة والصوت، يخيل لي أن الفضول البشري تجاه بعضنا البعض قد تلاشى أو قل أو بدأ في التناقص، لأننا بتنا معروفين لبعضنا البعض، ولا جديد قد يشدنا أو أننا اعتدنا على مثل هذه المعلومات ولكن على الضفة الأخرى تنامى الفضول البشري تجاه الفضاء السحيق واكتشاف المزيد من العوالم الجديدة الغائبة عنا، خاصة أن الفضاء مكان رحب واسع لا حدود له، يعتقد العلماء بأنه كتلة من الأسرار والتي ستذهل البشرية. هذا الفضاء يحمل النجوم بأعداد لا حصر ولا عد لها وكواكب ومجرات كثيرة لا نعلمها، وتمر به الملايين من المذنبات وتحدث فيه أيضاً الانفجارات لأسباب نجهلها، هو الهدف الآن، هو الذي ستتوجه نحوه تطلعاتنا وجهودنا لاكتشافه ومعرفة كافة تفاصيله.