حقبة التطور الثالثة


.

يقول العلماء إن البشرية مرت بمراحل عديدة للتطور، وإن ما نتربع عليه اليوم ما هو إلا نتاج لمسيرة طويلة من التجارب وتراكم هائل للخبرات والكثير جداً من التضحيات. ولا غرابة ولا استغراب بأن يكون مثل هذا الكلام صحيحاً لأننا فعلاً نعيش في عصر التكنولوجيا والتطور، وهي حقبة تقدم للإنسان الرفاه والعيش الرغيد، ولكن العلماء المختصين بالتاريخ ودراسات التطور البشري، يلقون بملاحظة جديرة بالتوقف عندها ملياً، لأنها مؤشر قوي للتطور السريع الذي يتوجه نحوه الإنسان، وأيضاً معرفة الدرجة التي قد نصبح فيها عاجزين تماماً عن اللحاق بكل هذه التطويرات.

على سبيل المثال، يعطي هؤلاء المختصون مثالين واضحين للتطور البشري، الأول ما يسمى بالثورة الزراعية، ويقصد بها توجه الإنسان نحو الاستيطان واستصلاح الأراضي وزراعتها والاستقرار وأن البشرية استغرقت نحو عشرة آلاف عام لتستوعب هذا التطور ويعم كافة أرجاء العالم، أما الحدث الثاني فهو يتمثل في الثورة الصناعية، والتي يقدر البعض أن بدايتها كانت قبل نحو 200 عام وتركزت في أوروبا تحديداً، ولكن البشرية استوعبت هذه الثورة سريعاً، وانتشرت في العالم، ويقدر العلماء بأنه مع نهاية القرن الثاني والعشرين سيكون في كافة أرجاء الكرة الأرضية حراك صناعي، بمعنى أن تصبح الصناعة مشاعة بين الناس وبسهولة، وهذا يعني أن البشرية في ثورتها الأولى وهي الثورة الزراعية استغرقت نحو عشرة آلاف عام لتنتشر، وفي الثورة الثانية الصناعية وحسب تقديرات العلماء فإنها لن تتجاوز ال400 عام.. وبغض النظر عن الصحة المطلقة لتلك الأرقام، إلا أن الهوة الزمنية في فهم واستيعاب الإنسان للثورة الأولى ثم فهمه للثورة الثانية، يدل على نقطة جوهرية، أن الإنسان كائن يتطور، لذا مع الثورة الثالثة، إذا صحت التسمية، وأقصد ثورة التقنية الحديثة والذكاء الاصطناعي، ووفقاً لتلك الاعتبارات، وما حدث في الثورتين الزراعية والصناعية، فإن هذه الثورة التقنية الثالثة سيكون مقدراً لها أن تعم الكرة الأرضية في غضون عقود قليلة، ولهذا القول دلالة من الواقع، تتمثل في الانتشار الواسع والسريع للهواتف الذكية وما يترافق في العادة معها من تطبيقات وخدمات الشبكة الرقمية حيث قلما تجد مكاناً في الأرض لا يستخدم السكان فيه هذه التقنية. العالم سيستوعب الثورة الثالثة من التطور بكل ما تحمله من أدوات وتقنيات حديثة ومنها الذكاء الاصطناعي، وهذا ما نراه فعلاً يتحقق على أرض الواقع.. إذن لا داعي للخوف، بل يجب الاستعداد بالعلم والمعرفة.