التنمية وقدرة المجتمع

.



التقدم والتطور لا يتمان بشكل عفوي، ولا يأتيان مصادفة أو من تلقاء نفسيهما، بل هما حصيلة الجهود والبحوث والرغبة الواضحة في التقدم ثم يتحقق بالكثير من العمل لأناس نذروا أنفسهم للتميز والإبداع، لذا تجد تبايناً واضحاً بين مختلف دول ومجتمعات العالم، فهناك مجتمعات حيوية فيها حراك وسعي دائم للمعرفة واكتساب العلوم وفيها مساحات واسعة للابتكار والتميز والاختراع، وهناك مجتمعات أخرى خاملة وبعيدة عن التفاعل، وبين هذا وذاك يبقى الدور الحيوي للفرد نفسه مهماً، ودون هذا الفرد ورغبته الصادقة في التقدم والتميز وتقديم كل ما هو مبدع لن تجدي أي مشاريع معرفية ولن تنفع أي برامج ومشاريع علمية، لأن الأفراد هم المحور والأساس الرئيسي في أي عملية للبناء والتقدم.

وعالمنا العربي ومجتمعاته المختلفة ليست في معزل عن مثل هذه الثنائية في التطور واكتساب المعارف وبين الخمول والتجمد، بل تكاد الصورة أكثر وضوحاً في مجتمعاتنا العربية عما سواها من مجتمعات العالم، حيث توجد تراجعات معرفية وليس تطوراً، بمعنى أن هناك دولاً اكتسبت تميزاً منذ عقدين أو أكثر من الزمن هي اليوم تستنزف هذا التطور وتسحب منه كل ما يساعدها على الحاضر، وبالتالي فإن خطط التطوير والتقدم متوقفة، وما يحدث في أرجائها هو عبارة عن سد الحاجة والعمل على توفير المستلزمات الرئيسية دون أي خطط مستقبلية معقولة تدفع نحو الأمام أو توجه رسالة بأن هناك أملاً في الغد، وهذا بحق محبط، وخاصة إذا كانت دول تمتلك مخزونات وثروات بشرية ومعدنية من المياه الوفيرة والأراضي الخصبة وعقول شابة متوثبة متحمسة نشيطة، ولكن الذي حدث هو عدم الاستفادة منها ومن كل هذه الطاقات المهولة، فالخطط معدومة أو أنها في نطاقات بعيدة وغير متقاطعة مع الهموم اليومية للناس.

وأكاد أجزم بأن عالمنا العربي ومختلف مجتمعاته يتربع كل بلد على مميزات لا تتوفر في بقعة أخرى من البلدان، وهذا يعني أن مقومات النجاح والتميز والتقدم متوافرة، ولكن لم توضع خطط تلبي وتتواكب مع هذه الإمكانيات، وهنا يحدث الخلل البالغ، صناعة التنمية في أي بلد تعني أن تبدأ مما هو متوفر، وبين يدي الناس، ولكن مع الأسف الخطأ الذي يحدث كثيراً وفي مختلف دول العالم ومنها عالمنا العربي، هو وضع خطط وأهداف غير معقولة وغير منطقية وبعيدة تماماً عن نبض الناس وعن حاجاتهم.