البشرية تتنفّس بالتطور المستمر





لو طرح علينا سؤال: ما هي أهم حقول التنافس العالمي الحالية؟ فإننا وبقليل من التفكير، سنستنتج أن مجالات الطاقة النظيفة على مختلف أنواعها، واحدة من مجالات هذا التنافس، ولكن هناك مجال أيضاً يظهر فيه سعي حثيث للاكتشاف والتطوير، وهو مجال علوم الفضاء، ودخول شركات للاستثمار والتجهيز لرحلات فضائية، وصناعة صواريخ حديثة وذات مواصفات حيوية، تمكّن الإنسان من سبر أغوار الفضاء. 

أيضاً سنجد أن هناك حقلاً آخر يشهد توجهاً عالمياً لافتاً، وهو تطوير تقنيات الروبوت، وما يسمى بالذكاء الاصطناعي. وأعتقد أن هذا المجال تحديداً، هو ثمرة ونتاج للتطور المهول في علوم الحاسب الآلي، والهواتف الذكية، وثورة الاتصالات التي سحبت معها تطورات في مجالات التقنيات المساعدة، ولكن الأساس الذي قام عليه هذا التوجه، هو شبكة الإنترنت دون أدنى شك. 

وشبكة المعلومات العالمية يمكن أن ندرج تحت سقفها، كل تطور يحدث؛ لأنها ببساطة متناهية كأنها تلتهم، وتصبح جزءاً من هذه التطورات؛ كأنها تحتويها وتلتحم معها. شاهدنا مثل هذا في عدة مجالات، مثل الهواتف والقنوات الفضائية، حتى تكنولوجيا السيارات الذاتية القيادة، وأيضاً في مجالات المراقبة، سواء المنزلية أو كاميرات المراقبة في المدن على مختلف أنواعها. 

أيضاً نجد الإنترنت جزءاً من منظومة الخدمات العامة، التي تقدّم للناس من مختلف الجهات الحكومية؛ بل إن الثورة التي نلاحظها في التطبيقات قامت على الإنترنت. ودون شبكة المعلومات تكون هذه التطبيقات وخدماتها بلا فائدة، أو بلا طائل منها. تدخل علينا في هذا الوقت صناعة مهولة وثورية بكل ما تعني الكلمة، وهي الذكاء الاصطناعي. ولعل أهم ما يمكن ملاحظته، هو الجدلية التي تدور حوله، حيث نواجه اليوم نفس الحالة التي مرت بالناس في مختلف العصور، عندما يصدمهم الجديد، أو عندما يكون التطور والتقدم سابقاً لهم ولتفكيرهم. لعل البعض منا يتذكر كيف كانت الآراء حول شبكة الإنترنت في بداية عهدها، وقبل انطلاقتها وانتشارها، فقد كان هناك انقسام بين مصدق وبين مكذب، بين محذر وبين متخوف، بين متفائل وبين مشجع، بين حيرة وبين انتظار، وجاءت الإنترنت فأذهلت الجميع. وإذا عدنا للوراء نحو مئة عام، سنجد أن هذه الجدلية تكررت عند دخول الكهرباء وبداية انتشارها. لا أحد يوقف التطور، ولا أحد يمكنه إيقاف تنفس البشرية؛ لأن تنفسها هو في تطورها الدائم.