مبدعون لا مستهلكون


لا أحد يستطيع أن ينكر التغييرات المهولة التي حدثت في العالم برمته بين عامي 1990 و1994، وهي الفترة التي بدأت خلالها شبكة الإنترنت بالانتشار في كل أرجاء العالم، فمع توسعها دخل الكثير من الصناعات في أتون هذه الشبكة، وكأنها ابتلعتها تماماً، وباتت جزءاً منها. أي مجال من مجالات الحياة المعروفة لن يكون له فاعلية بين الأوساط المجتمعية إذا لم يكن له امتداد وحضور على هذه الشبكة. وحتى الخدمات الضرورية للناس إذا لم تستخدم تقنيات الشبكة المعلوماتية فإنها تصبح ذات صفة تقليدية، وتوصم بالتراجع والتخلف، ومهما اجتهدت في خدمة العملاء فإن الحكم بأنها مقصرة ومتراجعة واقع؛ لأنه وببساطة مهما قدمت من تسهيلات لن تكون في مستوى تنفيذ الخدمة بواسطة الدخول على شبكة الإنترنت، وبضغطة زر واحد وينتهي كل شيء. شبكة الإنترنت كانت وما زالت تحدياً جسيماً وكبيراً لمختلف الفعاليات الاجتماعية، والذي لا يستوعب حجم هذه الشبكة ومدى قوتها ويحسن التعامل معها فإنه، ودون شك، سيخسر الرهان وموقعه وستتم إزاحته وستأتي أوجه وخدمات أخرى وتحتل مكانه بكل بساطة وسهولة. اللافت للأمر أن شبكة الإنترنت عمرها الزمني قصير جداً، إذا ما تم مقارنته بالمدى والأثر الذي أحدثته في مختلف أرجاء العالم، وهذا الجانب يجب التنبه له ورصده بدقة، لأن تطوراتها ما زالت مستمرة وخطواتها في إدهاش الناس متواصلة. واليوم نشهد أن الشبكة المعلوماتية تقود نحو إلغاء حتى الأجهزة والمعدات التي تعودنا على استخدامها طوال عقود، فالكمبيوتر المكتبي بل ما يعرف ب «اللابتوب»، أو الكمبيوتر الشخصي المحمول، من الأجهزة التي تتجه نحو الإلغاء والتلاشي بشكل تام. وفي غضون أعوام قليلة ستكون أجهزة الحواسيب مختلفة تماماً وستدخل أنواع حديثة ذات أنواع وأشكال وأحجام جديدة وملامح هذا التطور ماثلة. أيضاً من الذي سينسى ما أحدثته هذه الشبكة في مجال الهواتف الذكية من ثورة حقيقية واضحة المعالم والأركان والجوانب في هذا العصر. لقد كانت الهواتف الذكية بحق واحدة من أهم الضربات القوية الناجحة التي سببتها الإنترنت للبشرية بأسرها، واليوم ندخل بكل شغف لما بعد ثورة الهواتف الذكية، وهي ملامح حقبة من التطبيقات التي تتناول كل شيء وتسهل كل شيء، وهذا يعني ببساطة متناهية أنه حتى الأشكال المعتادة في شبكة الإنترنت مثل المواقع ستكون عما قريب شيئاً من الماضي، وهذا مؤشر واضح على أن شبكة الإنترنت لم تبدأ لتتوقف أبداً، والمهم أن نعي هذه الحقيقة ونكون في ركابها كمبدعين وصانعين ومبتكرين لا مستهلكين ومتلقين وحسب.