لماذا تهمنا الذكريات؟


يتطرق تفكير العلماء وبحوثهم ودراساتهم إلى أمور وجوانب قد لا تخطر على بالنا أو لا نفكر فيها أو لا ندرك أهميتها ومدى حيويتها لحياتنا المعاصرة؛ لكنهم ليسوا علماء إلا لأنهم يفعلون ما تعجز عقولنا عن التفكير حوله في العادة؛ لذا نحن ندين لهم بالكثير من الجميل؛ لأنهم يغمرون حياتنا بالكثير من المبتكرات والمخترعات، التي قد يعدها بعضنا عادية ولا فائدة أو طائل من ورائها؛ لكن تكشف الأيام والمستقبل أنهم كانوا محقين في تمضية الوقت والجهد من أجل كشفها وإظهارها للناس. قرأت، قبل فترة، عن علماء ينشغلون بجانب قد يراه بعضنا ترفاً علمياً أو جانباً لا فائدة حقيقية من ورائه، وهو فهم ذكريات الإنسان، وكيف نستطيع تذكر الذكريات الماضية واستحضارها بشكل دقيق. والعلماء في مجال بحوثهم والتجارب العلمية التي يجرونها في مختبراتهم على فئران التجارب، ينشغلون بكل التفاصيل التي يمكنها أن تمكننا من التذكر حتى تلك الأحداث الغابرة القديمة جداً أو التي حدثت ونحن في سن صغيرة، وبعضنا قد يعد مثل هذا الاهتمام ليس في محله؛ لكون أن هناك شريحة واسعة منا تعيش أصلاً في الماضي، وتقتات على الذكريات المؤلمة، وبالتالي فإن تنشيط عقلنا ليفرز وينتج لنا الذكريات لا فائدة حقيقية من ورائه؛ لأن المهم ليس الماضي والذكريات، وإنما المستقبل، لكن هذا الظن خاطئ تماماً، وليس في محله؛ لأن المستقبل لا يمكن التوجه إليه بذاكرة مثقوبة أو تنسى وليس لها أي امتداد. الذاكرة تحتاج إلى الحماية لتكون قوية وقادرة على التفكير المبدع؛ لذا ظهرت بعض النتائج التي توضح كيف نحمي الذاكرة من التلاشي، ومنها دراسة استمرت ست سنوات نشرتها جامعة هارفارد، وأظهرت أن كبار السن، الذين يتواصلون اجتماعياً مع الآخرين بشكل كثيف ودوري هم أقل تأثراً بسطوة التقدم في العمر على الدماغ البشري. وهو ما يعني أنهم يتمتعون بذاكرة قوية، وعقل حيوي وقوي؛ لكن قسم علم النفس ومركز العلوم الدماغية في هارفارد، يضعان بين أيدينا دراسة أخرى أكثر دقة؛ حيث وصلت إلى نتيجة مضمونها، «أن أفضل حل آخر لمشكلة فقدان الذكريات، هو بإعادة زيارة الذكريات بشكلٍ منتظم». وقالت هذه الدراسة، «إنه بإعادة تذكر حدثٍ معيّن يقوم الدماغ بتفعيل الخلايا المسؤولة عن حفظ هذه الذاكرة بشكلٍ انتقائي». إذا كنا نريد لعقولنا أن تكون قوية وقادرة على فهم المستقبل والابتكار والاختراع، فلابد لها أن تكون ذاكرة نشيطة، وإذا كانت نشيطة فإن أولى مهامها ستكون وضع الماضي والذكريات، أياً كان لونها، ماثلة، وأعتقد أنه ثمن بخس مقابل قيمة التمتع بعقل عبقري ذكي يدفع بك نحو النجاح والتفوق.