حاجة القارئ والتخمين


البعض، وأشدد على كلمة البعض، ممن يقررون الكتابة والتأليف، يتوجهون نحو هذه المهمة، دون المعرفة التامة بما يريد الآخر قرأته، أو بمعنى أدق يملأ نصه بتوقعات وآراء ليست منطقية، أو ليست أكيدة وثابتة، خاصة في الكتب العلمية، وهنا المعضلة الحقيقية.

عندما يقرر أحدهم أن يكتب ليفيد الآخرين، ويقدم لهم النصح والإرشاد والتوجيه، أو المعلومات التي قد تخفى عليهم، فهو يقوم بدور حيوي ومعرفي هام، لكن ماذا إذا تم حشو الكتاب بتوقعات وتنبؤات وآراء، لا أكثر ولا أقل، وهي آراء مضمونها توقعات وتخمينات المؤلف، وبالتالي لا تحمل أي قيمة علمية، ولا أي معلومة صحيحة أو معروفة ومتفق على صحتها.. ألا يعد هذا بمثابة الكذب والاحتيال على القارئ الذي تكبد عناء التوجه نحو المكتبة وشراء هذا الكتاب؟ ليجده متواضع في محتواه العلمي وفقير في مضمونة المعلوماتي.. مع الأسف، هذا النوع من التأليف تراه متواجد وعلى رفوف المكتبات، وهو في وتيرة متصاعدة في عالمنا العربي، ويكفي أن تتوجه لأي مكتبة وتشاهد الكتب التي تتحدث عن العلوم بصفة عامة أو التنمية البشرية أو نحوها، وقام بتأليفها أسماء عربية، لتكتشف حجم ما تم حشوه بين دفتي الكتاب من معلومات سطحية، وأخرى تم اجترارها وتكرارها، دون أي إضافة جديدة للقارئ.

وكما قال الروائي والشاعر والفيلسوف الألماني، جوهان ولفجان جفون جوته:" إذا قام إنسان بتأليف كتاب، فليكتب ما يعرفه فقط، فلدى كل إنسان ما يكفيه من التخمينات وليس بحاجة لتخمينات المؤلف أيضا".

في الحقيقة نحن بحاجة لميثاق في عالم التأليف والكتابة، - لن أقول بحاجة لرقابة على المحتوى - لأن كل واحدا منا سيلاحظ ولن تخطئ العين، رؤية هذا الواقع الذي نعيشه في مجال صناعة الكتاب، حيث يتم التغافل عن رسالة وقيمة المنجز ومحتواه، ومدى ما يقدمه للقراء من فائدة، فالذي يتواجد على الساحة في معظمة من الغث، الذي لا فائدة ولا طائل منه، والمتضرر الوحيد هو هذا القارئ، الذي يحتاج أن تتطور عملية التأليف والكتابة، لتتواكب مع تطلعاته ورغباته وحاجاته، وأيضا مع سرعة الزمن الذي نعيشه، ولسنا بحاجة للمزيد من العقبات التي تبعد هذا القارئ وتشتت انتباه واهتمامه.