لا تطلق قرداً لا يجيد التسلق


كم أدهشني وألهمني كتاب "وجدتها" بقلم المؤلف "ريتشارد بلات"، الذي ذكر قصة تلامس واقعنا تماماً، حيث جاء في هذا الكتاب القيم أنه في أحد الأيام طلبت إدارة المراكز الطبية، والتي تتبع "حراس الغابات" في إنجلترا من جميع السكان أن يعيدوا نوع نادر من القرود إلى مكانها وموطنها الأصلي "الغابة" وقد وصل فعلاً أول خمسة قرود إلى حراس الغابات، وتم استقبالها وتجهيزها للعودة إلى موطنها الأصلي، وبعد الفحوصات البيطرية والتطعيمات واللقاحات، قدر العلماء والأطباء البيطريين أن هذه القرود باتت جاهزة لرحلة العودة لتعيش في بيئتها الأصلية، تم وضع أساور على أيدي القرود الخمسة ليتم تمييزها عندما يذهب حراس الغابات لفحصهم، انطلقت أول دفعة من القرود من خارج الأقفاص إلى موطنها الجديد.

بعد أيام قليلة عاد الحراس إلى منطقة القرود فكانت المفاجأة أن القرود الخمسة جميعها ماتت. خيم الحزن و الإحباط على حراس الغابات الذين كانوا قد قاموا بجميع التجهيزات اللازمة لإطلاق تلك القرود إلى الغابة لكن يبدوا أنهم نسوا أهم جزء.

كان اثنان من القرود قد ماتوا بسبب وقوعهم من أعلى شجرة شاهقة، وهنا سؤال بديهي كيف يموت اثنان من أحد أكثر المخلوقات قدرة على تسلق الأشجار بمهارة فائقة؟ أما الثلاثة الباقين، فقد ماتوا بسبب الجوع، وهنا سؤال بديهي آخر، كيف قتلهم الجوع وهم في وسط غابة تملؤها الثمار والخضروات والحشائش؟

وبعد تفكير عميق وحيرة اكتشف الحراس السبب الحقيقي لموت هذه القرود، فقد كانت تعيش في المنازل بعيدة عن الغابة لسنين عديدة والتطعيم و التجهيزات البيطرية لن تكون كافية لينخرط في محيط جديد حتى لو كان ذلك المحيط هو ما فطر عليه، فلا تزال هناك أشياء لن يستطيع فعلها ببراعة بلا ممارسة وتدريب، إن بقاء القردة في المنازل كان هو السبب الحقيقي لموتها.. فعندما كان هناك لم يكن يتسلق كما يتسلق في الغابة وذلك ما أدى إلى سقوط اثنان منها من أعلى الأشجار و بالتالي موتها، و القرود الأخرى الثلاثة كانوا في المنازل يحصلون على طعامهم بلا أي جهد أو تعب فقد كان يقدم لهم الطعام جاهزاً لذلك عندما وضعوا في الغابة لم يستطيعون التأقلم مع الوضع بهذا الشكل المفاجئ.

لقد تعلم حراس الغابات درس مهم من هذه حادثة القرود الخمسة، وهو أن لا يطلقوا قرداً لا يجيد التسلق للانتقال بحرية في الغابة وللحصول على الطعام.

لكن في الحقيقة أن هذا الدرس يجب أن يكون عاماً وشاملاً لنا أيضاً، فهو يجسد واقع في الحياة التي تبدو كالغابة، ذلك إن العديد من الأمهات والآباء، يبالغون في تدليل أبنائهم و يوفرون لهم كل شيء دون أن يعلموهم معنى العمل و بذل الجهد في سبيل الحصول على لقمة العيش، فما أن يخرج ابنه إلى هذه الحياة يجد أنه لا يملك شيء لينفع به نفسه، بعد السنوات التي قضاها في حماية وأحضان والديه الذين بالغوا في تدليله، نحن أيضاً ينبغي أن لا نطلق أبنائنا إلى هذه الحياة إلا وهم "يجيدون التسلق".