شجاعة وشجاعة


يعتقد البعض أن الشجاعة تكمن في القوة البدنية، وتنحصر في المواجهة الجسدية مع الآخرين، وهناك من يعتقد أنها ضد الخوف، أو أن الشجاع من يتمتع بالإقدام والمغامرة والمجازفة، لأنه لا يهاب شيء، ولا يوقفه شيء.. وهذا المفهوم هو السائد، أو هذه النظرة العامة، ورغم أنني لا أجادل في مدى صحت مثل هذا الطرح، إلا أنني دوما كنت أحمل رؤية شخصية تختلف في هذا المجال مع الطرح السائد، نعم أتفق مع مثل هذا الطرح من جانبه اللغوي، بمعنى عند تفسير معنى كلمة شجاع في المعجم العربي، سنجدها تعني: الجرىءُ المِقْدامُ، لكن ليس هذا المحور الذي أشير إليه، بل أشير نحو معنى آخر من الشجاعة لا يتم تمجيده ولا يتم الاحتفاء به، ولا يتم نشره وتعميمه، ولا يلتفت له، ولا ندفع أنفسنا ولا أطفالنا لفهمه وتبنيه، وأن يكون جزء من وقتهم وحياتهم، وأقصد تحديدا الشجاعة في طلب العلم واكتساب المعرفة، الشجاعة في وضوح رؤيتك نحو مجتمعك ووطنك، وبالتالي تشكل حاجز ومانع وخط دفاع قوي ضد المتربصين بكيان بلادنا، خاصة تلك الأبواق التي تنتشر على شبكات التواصل الاجتماعي، وتستتر خلف أسماء مستعارة، الشجاعة التي تحمل النبل والأخلاق والقيم الجميلة الخلاقة.. لقد مللنا من كل ذلك السيل من الأفلام السينمائي التي نقلت لنا أن الشجاع هو ذلكم الرجل ذا البنية الجسدية القوية، ولقد مللنا من ترديد قصص توضح أن الشجاع هو ذلك الفارس الذي يضرب بسيفه.. نريد في هذا الزمن نوع جديد من الشجاعة، شجاعة أن ننتصر على الطمع والقسوة، الشجاعة في التغلب على الماديات والتسلط، الشجاعة في أن نملأ قلوبنا بالنقاء والصفاء، الشجاعة في نشر قيم التسامح ونبذ العنصرية، الشجاعة في الترويج للسلام وكشف زيف الجماعات المتطرفة، وكل الأصوات النشاز التي تمجد القتل وسفك دماء الأبرياء.

وهذا النوع من الشجاعة، يتطلب قوة في العقل والفهم، وحضور روحي واستعداد نفسي، يحتاج لرغبة صادقة واندفاع نحو القيم النبيلة بقوة وبسالة ودون أي تردد.

نحتاج للشجاعة أيضا للتغلب على التحديات الحياتية التي تواجهنا، نحتاج لها أيضا لننتصر على أوجاعنا وهمومنا، وكما قال الروائي الشهير ارنست هيمينغواي: "الشجاعة هي نعمة وهبت لنا للتخلص من الضغوط".

كن شجاع دوماً في مواجهة التحديات الحياتية، كن شجاع في جامعتك أو مدرستك، ومقر عملك ووظيفتك، كن شجاع وأنت تتعلم وتدرس، وأنت تقرأ وتنمي ثقافتك ومعارفك.. وثق أن من يملك هذا الفهم للشجاعة سيكون هو الأكثر قوة والأكثر حضور وفائدة لنفسه ومجتمعه.