الخيال، كيف يشوّه واقعنا


جون لينون في أغنيته الشهيرة "تخيل" يقول: ربما تقول أنني حالم، ولكنني لست الوحيد!" انتشرت هذه المقولة بين فئات معينة في المجتمعات، وأصبح الكثير يرددها كعزاء ومواساة لكونهم حالمين، غير واقعيين، ويعيشون في حياة تخالف كلياً ما يرغبون به ويتخيلونه.

إن الخيال والأحلام سلاح ذو حدّين، فالبعض يحلم ليهرب من الواقع الذي يعيشه، فيصنع لنفسه عالماً موازياً يهرع له عندما تسير الأمور عكس رغباته، تجده يعيش أكثر من حياة، ولكل حياة تفاصيلها ومستجداتها وأحداثها الخاصة. لا أقصد من خلال كلامي المرضى النفسيين الذين يعانون من اضطرابات عقلية ويتوهمون كثيرا من الأمور غير الواقعية، بل أقصد أناس طبيعيين ومتعافين ويعيشون بيننا بكل روتينية وهدوء واستقرار، ولكنهم حالمين.

لهؤلاء الناس نظرة خاصة للأمور، فهم يجدون في الأمور العادية شيئا غير واقعي، ويبرعون بالربط بين أشياء لم ترتبط ببعضها من قبل. أذهانهم متقدة، ومبدعون بالفطرة، وبسبب خيالهم هذا إما يقعون في مشاكل نفسية من الإحباط والخيبة، وإما يرتقون بأنفسهم لسلم النجاح.

ربما تعتقد أن الخيال يكون سلبياً عندما يناقض الواقع كلياً ويصبح أشبه بعالم لا منطقي ومليء بالترّهات ولكن هذا خطأ، بل على العكس هذه الشطحات الذهنية هي أفضل ما يقوم به العقل الحالم. يكون للخيال تأثير غير مرغوب على صاحبه ليس عندما ينافي الواقع بل عندما يقوم بتشويه الواقع للدرجة التي تجعل العيش فيه لا يطاق، وعندما يضيّق سبل الحياة في حياتنا الملموسة ويجعلها خانقة ومظلمة ومزدحمة. هنا يكون الخيال فعلا كالسم في عقل الإنسان، ولكنه ليس عنصر الخيال هو الملام، بل الطبيعة المُحبِطة والانهزامية التي يكون عليها المرء، هي السبب في إيصال المرء لهذا المستوى من السلبية. فعلى النقيض يمكن أن يلعب الخيال دوراً رائعاً وإيجابياً، وهو ابتكار حلول لجعل الحياة أفضل والربط بين الأمور السيئة التي يعاني منها شخص ما لتصبح أمرا جيدا، يكون الخيال جيداً عندما يسقطه المرء على حياته الملموسة ويسأل: كيف أجعل ما أفكر فيه حقيقة وبالتالي اجعل من سعادتي هذه واقع وليست مجرد خيالات بل وسأتسبب في سعادة الآخرين أيضاً!

العقل الحالم يمكن أن يكون مبدعاً ومبتكراً ومخترعاً، إذا كان لصاحبه الجرأة على العمل لجعل الخيال واقع. وللأسف قلة هم أولئك الذين يستخدمون مخيلتهم لجعل حياتهم أفضل، وكثيرون هم الذين يجعلون من خيالهم وسيلة للتذمر وتحطيم النفس وانتقاد الواقع والحياة.