الترفيه منذ القدم


النفس البشرية كما يقال تكل وتمل، كما تكل وتمل الأبدان، والترفيه عن النفس يكون فرصةً لإزالة هذا الملل، والقضاء على الروتين القاتل في الحياة، فرتابة بعض الأعمال وتكرارها تجعل النفس تسأم من أدائها، فتراها تفتر وتقل الإنتاجية أحيانًا وتضيق بأداء الأعمال في أحيان أخرى، ولكن عندما يخصص الإنسان وقتا يرفه فيه عن نفسه بالذهاب إلى أماكن التنزه والحدائق، أو ممارسة الألعاب الرياضية، فإن ذلك يجلي عن نفسه ضيقها ومللها، ويجعلها في حالة أخرى تمتلئ فيها طاقة وحيوية، وتصبح النفس مستعدة للعودة من جديد لأداء الأعمال التي اعتادت على القيام بها.

الالتقاء بالناس والتحدث معهم يعتبر من الترفيه، حيث انه يساهم في تعظيم الجانب الإيجابي في النفس الإنسانية، وتقلص الجانب السلبي فيها، خاصة عندما يلتقي الإنسان بأناس وأصدقاء إيجابيين يبثون في نفسه معاني الصداقة الصالحة والحب والجمال والتسامح، وقد أكدت الدراسات الطبية والأبحاث الصحية على أهمية الترويح عن النفس وترفيهها، فالضحك على سبيل المثال يحفز هرمونات السعادة التي تعد دافعا قويا للإنسان في الحياة، كما أن ممارسة الرياضة كذلك من وسائل التجديد والسعادة، من خلال ما يفرز الجسم من هرمونات أثناء ممارسة النّشاط البدني، بل إن كثيرا من الأطبّاء النفسيين يوجهون من يعاني من الإكتئاب أو التوتر أو القلق، إلى ممارسة الرياضة كعلاج للحالة النفسية المتردية.

ومفهوم الترفيه، ليس جديد، أو أنه من مفاهيم الحضارة الحديثة، بل هو جاء منذ القدم، حيث يقال بأن أول من أستخدم مصطلح الترفيه بل وأول ظهور له في اللغة الإنجليزية، كان في أواخر القرن الرابع عشر، حيث كان يعني حينها (استعادة النشاط أو الشفاء من الأمراض) وظهر كاشتقاق من اللغة الفرنسية القديمة التي بدورها اشتقته من اللغة اللاتينية، ويبدو أن لهذا النشاط الحياتي أصول تمتد إلى أعماق التاريخ القديم، فعلى سبيل المثال يمكن ملاحظة مثل هذا الجانب من خلال رسومات ونقوش قديمة جدا وجدت في كهوف وآثار مختلفة، بل من ينظر في التاريخ المكتوب للحضارات القديمة والحديثة، على حد السواء، يجد أن الترفيه عنصر أساسي في تنمية الشخصية والتطور الحضاري، حيث يعكس قيم وشخصية الأمة، كما أن الترفيه يعتبر اليوم حقا أساسيا من حقوق الإنسان بموجب المواثيق العالمية والقوانين الدولية.

كم نحن في عالمنا العربي بحاجة لنشر قيم الفرحة والسعادة وبثها في قلوب الناس، ونشر فوائدها، لأن في مثل هذا الفعل تخفيف من حالات الاحتقان والتوتر التي يمكن ملاحظتها في الكثير من المجتمعات، وبات البؤس كالوباء منتشر في عالمنا.