الدقة المبالغ فيها


في مناسبة جمعتني بعدد من الصديقات، التقيت بسيدة لتوي أتعرف عليها، وبطبيعة الحال كنا نتبادل الأحاديث عن مختلف مجالات الحياة، التفت نحو هذه السيدة بشكل جدي، وذلك بسبب جديتها وغضبها وحماسها أثناء تحدثها، حصل هذا عندما بدأنا نتكلم عن أسرنا، فقد انفجرت وهي تنتقد عائلتها، وتشكوا من تعدد مشاكلها معهم، الذي لاحظته أنه في كل موضوع نتحدث عنه كانت لديها مشكلة! فحتى في موضوع العاملات المنزليات كانت تتبنى وجهة نظر سلبية، وتقول بأن جميعهن لا يجيدون العمل، وتنتقد أيضاً أطفال هذا الجيل فتقول إنهم غير أقوياء أمام الحياة، ولن يصبحوا أمهات وآباء جيدين، وعندما قدمت لها زميلتي فنجان القهوة غضبت لأنها قدمته باليد اليسرى، ورغم أن هذا خطأ بروتوكولي، إلا أنه لا يستحق الغضب بل تنبيه بسيط، وكما يظهر لي أنها قد وجدت فينا نحن أيضاً مليون سلوك غير بروتوكولي ومليون انتقاد لكنها لم تجرؤا على التحدث كون البعض منا لأول مرة يلتقيها.

كان واضحا أن في كلمة أو موضوع تسوقه تذمر وشكوى، فلا شيء يعجبها، حتى في رحلاتها الترفيهي مع أسرتها كانت تشكو، تقول أنه في إحدى السفريات، قامت بترتيب كل شيء ووضعت خطة للأنشطة التي سيقومون بها، رغم ذلك فإنهم لم يلتزموا بها، إضافة إلى أنهم فوضويين، وهذا سبب أن تكون الرحلة أشبه بمواقف توتير دون فائدة، ودون أي استفادة.

كما هو واضح فإن هذه السيدة تنظر للأمور بسوداوية ومتشائمة، لكن الحقيقة – بغض النظر عن خطئها بالتعميم- أن كلامها يحتوي بعض من الصحة، وأنها على حق في بعض النقاط، على سبيل المثال لماذا لا يلتزم أفراد عائلتها بالخطة التي اتفقوا عليها؟! في الوقت نفسه لا أعتقد أن العيش مع أسرة يتعامل أفرادها مع بعضهم بـ "لباقة" أمراً طبيعياً! فلابد من الشجارات ورفع الكلفة بين الأخوان والأبناء. ولا أعتقد أنها لو دربت عاملتها المنزلية بأسلوب محترم وإنساني كيف تنظف بأن العاملة سترفض! كما أنها لم تنظر نحو شريحة كبيرة من أطفالنا الذين يبنون أنفسهم ويطورون مواهبهم ويستفيدون من أوقاتهم.

البعض يمتلك عين دقيقة نحو أي شيء، ولا إراديا يبدؤون بالانتقاد والإدلاء بالملاحظات، أحياناً يكونون مفيدين وذلك عندما يسّخرون هذه القدرة في مشاريعهم وأفكارهم، أما في الحياة اليومية والأسرية، فمن وجهة نظري أجد أن الدقة المبالغ فيها وكثرة الانتقاد تجعل الشخص يفقد مصداقيته، يقول الفيلسوف أرسطو: "يمكن القول إن الشخصية أكثر الأدوات قدرة على الإقناع." يمكنك بالانضباط الذاتي والدقة الشخصية أن تكون مؤثراً على الآخرين دون أي نقد أو لوم او حتى توجيه.. لا تحول حياة الآخرين إلى جحيم وتجعل من شخصيتك طاردة ومنفرة.