ماذا يعني أن تكون إنساناً



الاختلاف أمر طبيعي، بل هو أمر حتمي، فمجتمعاتنا تختلف و أوطاننا و لغاتنا تختلف، حتى نظرتنا للحياة تختلف، وبالتالي فإن آراءنا تختلف، لكن هناك شيء نتفق فيه جميعاً، وهو الإنسانية.

وبما أنني استخدمت هذه المفردة – الإنسانية - والتي يعتبرها البعض كلمة فضفاضة، حيث بقت ذات معنى غامض، حتى شاع استخدامها في العصور المظلمة التي مرت بها أوروبا، من قبل الأحزاب الحرة التي كانت تدعوا إلى احترام الكيان الإنساني مهما كان دينه أو لونه، و يقول البعض أن الإنسانية هي أي شيء يمكن للإنسان فعله، حتى لو تضمن ذلك الأفعال الغير أخلاقية.

و لكن الشائع و الأصح هو أن الإنسانية مظلة تحتوي على قيم مثل الرحمة و التسامح، وهي الدافع الذي جعل الشعوب على مر التاريخ، تتغلب على الجهل وتتجه نحو أنوار المعرفة، هي التي بنت الحضارات، و وضعت قوانين التعايش، الإنسانية فطر

ة فينا.

رغم ذلك نسمع قصصاً عجيبة، أو نشاهد أحداث، أو نمر بمواقف، لا يصدقها العقل! تجعلنا نشك في أن الرحمة جزء منا، نشك بأن تلك القيم النبيلة تستحق بأن تسمى باسم مرتبط بجنسنا، لأننا في تلك المواقف و القصص نبدو كشياطين!

مثل حادثة هزت المجتمع في سنغافورة حيث أقدمت أم، تجردت من كل مشاعر الأمومة، بضرب طفلها ذي الأربعة أعوام حتى قتلته، ذلك لأنه لم يتمكن من تعداد الأرقام بالترتيب الصحيح.

و جرائم أخرى يستجيب فيها البعض لغرائزهم تماماً بلا ضمير ولا تفكير ولا رحمة، تجعل البشر أشبه بحيوانات و تجعل المجتمع مثل الغابة، حيث البقاء للأقوى.

رغم ذلك بين كل فترة، نقرأ عن أشخاص إذا صحت الكلمة – نكرات - غير مشاهير، يحدثون فرقاً و يصنعون التغيير، مثل الملائكة لا ينتظرون شكر ولا تقدير من أحد، أشخاص يجعلونك تتمتم: " العالم لا زال بخير". هذه سيدة عجوز تدعى "سندهوتيا" كانت طفولتها مليئة بالألم فقد تزوجت زواجاً جبرياً ولم يكن عمرها قد تجاوز العشرة أعوام، وبعد حياة مريرة، ممتلئة بالضرب و التعنيف و الإهانة تركها زوجها تواجه الفقر والجوع وحدها، اليوم سندهوتيا أم لأكثر من ١٤٠٠يتيم، جميعهم منتظمين في مدارس، فبعد أن تحسنت حياتها عملت على تحسين حياة الآخرين. يقول السياسي البارز و الزعيم الروحي للهند أثناء حركة الاستقلال الهندية غاندي: "يجب ألا تفقدوا الأمل في الإنسانية، إن الإنسانية محيط، و إذا ما كانت بضع قطرات من المحيط قذرة، فلا يصبح المحيط بأكمله قذراً".