كبار السن


على مر التاريخ و حتى اليوم، أُثبت لنا أن هناك الكثير من المفاهيم الاجتماعية المنتشرة رغم أنها خاطئة، و المسلّم بحقيقتها تسليم أعمى رغم أن العلم نفاها، بعض تلك المفاهيم اندثر، لكن بعضها لا يزال منتشراً، اليوم أتحدث عن كبار السن، الذين يعتبرهم البعض مؤشر وشاهد للتوقف عن الإنتاج، أو أنهم غير أكفاء في العمل، ونجد أنه من الأفضل أن يتقاعدوا و يمضوا أيامهم في تصفح الجرائد أو مشاهدة التلفاز، وربما أن كبار السن، يشعرون بهذه النظرة الإنتقاصية تجاههم، ويشعرون بأن حقهم في بناء الأحلام و التفكير والنظر نحو المستقبل قد انتهك وتمت مصادرته، لذلك البعض منهم يحاولون أن يفهموننا من خلال مهام الحياة المتنوعة أنهم لازالوا حاضرين وبقوة، وأنهم مفيدين لأسرهم ومجتمعاتهم. لو تأملنا المختبرات العلمية و مراكز الأبحاث والعلماء في الجامعات، لوجدناهم من كبار السن.

يحق لي القول إذاً أن فئة كبار السن، فئة منتجة وبقوة في المجتمع، لا تستحق هذه النظرة المترهلة تجاههم، والشوا

هد على حضورهم الهام عديدة ومتنوعة من أستحضر في هذا السياق قصة الطبيب روسيل دونر، كشاهد ومثال، فهو عمل في المجال الطبي لما يقارب ٦٠سنة و لم يترك مهنته وهو في سن ٨٨ عاماً، أجرى أكثر من ٣٦٠٠عملية ولادة، و هذا أكثر من عدد سكان قريته، كان يأخذ على كل زيارة دولارين إلى خمسة دولارات، ويقول بهذا الخصوص: "لم أتخصص بالطب كي أفرغ جيوب الناس، بل كي أعالجهم". و هناك قصة غلين بورتل، الذي يعمل متطوعاً في المستشفيات، تجده يدفع كراسيهم المتحركة، و يساعدهم على التنقل داخل المستشفى، بورتل لا يبلغ من العمر ستين ولا سبعين عاماً، بل ٩٩عاماً و يقول: "كلما عشت أكثر كلما كان هناك متسع من الوقت لمساعدة الآخرين". و أما السيدة إيلين هانا، التي أمضت نصف قرن و هي تقرأ الكتب لتحولها إلى كتب صوتية للمكفوفين، خلال ٥٠ عام كانت هناك مكتبة من آلاف الكتب للمكفوفين، أنشأتها هانا دون أي مقابل.

أعتقد أننا نحن من يجب علينا أن نعيد النظر لحياتنا و أهدافنا، لنعرف من الأقرب للموت، نحن أم هم؟! يقول الكاتب و السياسي بنجامين فرانكلين : "يهرم الإنسان عندما يتوقف عن التطور و التقدم". هي دعوة لنكون أكثر أنصاف وموضوعية مع من أشتعل رأسه شيباً، لكن قلوبهم وعقولهم محملة بالأسرار والخبرات والعلوم الحياتية التي نحن في أمس الحاجة لها.