علموا أبنائكم أن يحبوا بعضهم


قبل فترة من الزمن وخلال مناسبة اجتماعية، شاهدت إحدى الصديقات وقد كانت هادئة على غير عادتها، و عندما اقتربت منها لأسألها إن كانت بخير، فإذا بي أرى وجهها الشاحب و ملامحها الذابلة و عينيها الحمراوتين، سألتها إن كان يمكنني مساعدتها بأمر ما، و سردت لي تفاصيل المشكلة فوراً، كأنها كانت تنتظر سؤال كهذا، القصة أنه احتدم شجار بين اثنين من إخوانها، الذي وصل إلى مرحلة أن أحدهما أقسم على عدم زيارة الآخر، و رغم دموع والدتهم، إلا أنه لم يتراجع عن قراره و خرج من المنزل غاضباً، أخبرتي أنه ليس هذا ما يحزنها، بل الذي يحزنها هو كثرة المشاجرات في عائلتها و الحساسية المفرطة تجاه بعضهم البعض.

الحقيقة المؤسفة، و الأمر الذي لاحظته، أنه حتى دون حصول مشاكل و مشاجرات فإن العلاقات الأخوية تضعف مع مرور السنوات، حتى أصبح البعض لا يتصل بأخيه أو أخته إلا في المناسبات الكبيرة و الأعياد، و في المقابل نجد أن العلاقات بين الإخوان في أسر أخرى قوية، و الثقة بين بعضهم البعض لا تهتز بسهولة، مهما مرت

السنوات، و حتى بعد الزواج، مثل صديقة تعرفت عليها عبر الفيس بوك تخبرني بحماس عن أيام إجازة شقيقها الذي يعمل في العسكرية و تنتظره بلهفة، و عندما يأتي لا تبقي مكاناً ترفيهياً إلا و تأخذه إليه، أعتقد أن السبب في هذه الاختلافات هو التربية، كما يُقال التعليم في الصغر كالنقش على الحجر، هناك ثوابت نلقنها لأطفالنا و عندما يكبرون تصبح بمثابة المبادئ بالنسبة لهم، على سبيل المثال أشاهد كثيراً من الفيديوهات المتداولة في مواقع التواصل الاجتماعي، حول أطفال يقلدون تصرفات آبائهم من ناحية إلقاء القصائد بثقة و الترحيب بالضيوف و الصيد، و غيرها، يعتقد الآباء أنهم بهذه الطريقة يعودون أطفالهم على "الرجولة"، غني عن القول أنها - أي الفيديوهات - توضح أن فئة لا بأس بها لا تفرق بين الرجولة و الإدعاء والتفاخر، أعود إلى موضوعي، لو كان الهم الحقيقي الذي يؤرق هؤلاء الآباء و الأمهات هو غرس قيم إنسانية و تربوية مثل الرحمة و الإيثار و الاحترام بين أبنائهم لما سمعنا عن مشاكل كبيرة تحصل بين الإخوان، و لكن الآباء و الأمهات الذين يفتقرون لبعد النظر و الذين يجعلون أبنائهم أدوات للاستعراض بهم فقط، أو الذين يهتمون بإطعامهم و العناية بهم كأنهم حيوانات أليفة، لا يمكن لأفكارهم أن تدرك أهمية هذا الجانب التربوي الخطير، يقول الفيلسوف و الشاعر ابن مسكويه: "خير ما اكتسب المرء الإخوان، فإنهم معونة على حوادث الأيام، و نوائب الحدثان". علموا أبنائكم أن يحبوا بعضهم.