بيوفيليا


المشاكل النفسية في هذا الزمن أصبحت شبه ظاهرة، و قد يعود السبب في ذلك لكثرة ضغوطات الحياة، مثل الضغوطات الاجتماعية، من تربية الأبناء و صلة الرحم التي تتضمن زيارات في أحيان قد تكون ثقيلة، أو مناسبات اجتماعية مبالغ فيها، و أحياناً تشكل الالتزام بالعادات و التقاليد أيضاً أحد هذه الضغوطات، كذلك ضغوطات العمل، فالبعض مُبتلى بمدير متسلط، أو أنه مكلف بإنجاز قائمة طويلة من المهام في وقت قصير، وغيرها.

الحقيقة أن العصبية، القلق، ارتفاع ضغط الدم، السكري، الجلطات، أمراض القلب..الخ. كلها تأتي لأسباب عديدة و تعتبر الضغوطات أهمها.

هذا الكلام مكرر، و أضرار الضغوطات في الحياة معروفة، الغير مكرر هو الحل، و الذي جعلته موضوع مقالي اليوم، و هو استعمال الطبيعة في العلاج، الحقيقة أن هذا لم يكن أمراً معترفاً به في الوسط العلمي، إلا انه في القرن العشرين قام عالم الحشرات و السلوك الحيواني و الروائي ادوارد ويلسون بتنظير نظرية "بيوفيليا" و هي كلمة لات

ينية، بيو مأخوذة من بيولوجيا، و فيليا تعني حب، أي حب البيولوجيا، أو الطبيعة، و قد أصدر ويلسون كتاب يحمل اسم هذه النظرية و نُشر في جامعة هارفارد.

التفت العلم إلى الطبيعة كعلاج، و بدأت الدراسات تثبت صحة هذه النظرية، على سبيل المثال أجريت دراسة أن قدرة الأطفال الذين يعانون من فرط الحركة على التركيز، ازدادت الأماكن الخضراء. كذلك وُضع مرضى في غرف مطلة على بحيرات و بساتين، و آخرين وضعوا في غرف عادية، و قد تماثل للشفاء أصحاب الغرف المطلة في فترة أقصر من نظرائهم في الغرف العادية، و في تقرير نشرته مجلة ناشونال جيوجرافيك، ثُبت أن الطبيعة تخفف من العنف لدى بعض السجناء.

من وجهة نظري الشخصية، لا عجب من ذلك لأننا مخلوقين من الطبيعة، و نحن جزء منها، فكيف لا يكون لها تأثير علينا؟! الطائرات بتقنياتها المتقدمة و أنواعها العديدة و تكنولوجيتها المعقدة بدأت بسبب تأمل الإنسان للطيور، و كذلك طلب الروائي الأمريكي الشهير أرنست همنغواي الحاصل على جائزة نوبل في الأدب لعام١٩٥٣ أن يتم وضعه في جزيرة خضراء و هادئة كي يتمكن من التأليف، و الروائي الكولومبي ماركيز الحائز على جائزة نوبل في الأدب لعام١٩٨٢ يفّضل الكتابة على شواطئ الكاريبي، إذاً دون شك أن هذه الطبيعة التي خلقنا منها تعود بالنفع إلينا، نفسياً و جسدياً، يقول الفيلسوف تولستوي: "واحدة من أول شروط السعادة، هي أن العلاقة بين الإنسان و الطبيعة يجب ألا تكسر".