الكثرة المقلدة والقلة المبدعة


عرف الإنسان بفطرته بأنه كائن اجتماعي، يعيش ضمن جماعات يرتبط معها بعلاقات متبادلة مختلفة مما يوفر له سبل العيش وكافة المتطلبات التي لا يستطيع أحياناً الاستمرار بدونها، وهو أيضاً بدوره يقدم لجماعته خدمات عديدة، بحسب المسؤوليات

المناطة به.

في الواقع إنّ الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل يمتد لما هو أعمق، وأهمّ أي الأفكار، لأن الفرد يستمد العديد من أفكاره من محيطه، وهو في الوقت ذاته يزوّد من حوله بها أيضاً في علاقة متبادلة لا تنتهي، والأفكار التي تحتوي عليها عقولنا عليها هي التي تحدد شكل الحياة ومغزاها بنظرنا، لأنها تولد الآراء والمعتقدات، ومن هنا أهتم المختصون بدراسة هذه العلاقة المتبادلة بين الفرد، والجماعة، خاصة من الناحية الفكريّة، فخرجوا بالعديد من الاستنتاجات الهامة والحسّاسة، والتي تصف ما يجري فعلياً على أرض الواقع.

في أمثلة عديدة وفي حياتك اليومية قد ترى ما يعرف ويسمى بـ "ثقافة القطيع" حولك – رغم تحفظي على هذه التسمية – وعلى سبيل المثال سلوك الأشخاص في سوق الأسهم مثال حي، حيث يلجأ الأشخاص إلى إجراء الصفقات بشكل غير عقلاني وتحركه عواطفه، فدخولهم يكون بسبب إقبال الناس عليه، وأيضاً يظهر مثل هذا السلوك في الحياة اليومية، خاصة عند اتخاذ قراراتهم الشخصية فمثلاً، يقرر الشخص قراراته الروتينية بناء على المعارف والمهارات التي يكتسبها من الآخرين أو بناء على التصرف الذي يراه من الآخرين، ولعل من أوضح وأظهر الأمثلة على سلوك التبعية سلوك الأشخاص في الإنترنت فعندما نرد على أحد الموضوعات باتجاه معين نجد أغلب التعليقات تأخذ نفس اتجاه وسياق هذا التعليق!.

بالطبع بأن سلوك التبعية أو ثقافة القطيع، تعطي فرصة اكبر لحصول الشخص على التأييد، وتساعد على تحقيق الشخص لمصالحه مستنداً على الآخرين، ولكن لهذه الثقافة أيضا العديد من المخاطر، فغياب العقل والضمير والمنطق، والإنجرار يسبب الكثير من المساوئ على مستوى الفرد والمجتمع، فيهمل الشخص تفكيره وقراره الشخصي ويذوب في الآخرين، وعندما يجتمع أفراد متشابهين إلى حدٍّ بعيد يكوّنون فيما بينهم قطيعاً يُمكِّنهم من القيام بأي فعل كان حتى لو وصل الأمر إلى محاولة هدم أي قيمة أخلاقية جميلة، أو نشر أفكار هدامة، مثل الإرهاب وغيره، وهذا يجر إلى تعريض النفس للأخطار وأحيانا للقتل.

ديننا الإسلامي الحنيف، أطر وأصل مسؤولية الفرد، قال تبارك وتعالى: "كل نفس بما كسبت رهينة". فقد اعتبرت الفرد مسوؤل عن قراراته وأفعاله الشخصية، فيعمل على إطلاق المبادرة الفردية وتمجيد العقل الفردي، لا الجماعي الذي يكون عادة عاطفيا وأحكامه غير دقيقة على الغالب.

الأشخاص الذين استطاعوا إحداث التغييرات الجوهريّة عبر التاريخ الإنساني، هم أولئك الأشخاص الذين تميزوا وابتكروا وتعلموا وتفوقوا على جماعاتهم، واختلفوا عنهم، واحتفظوا بهويتهم الفردية، وبقدرتهم على التفكير المنطقي والعقلاني، فصاروا بذلك قادرين على التوجيه والإبداع، بل والقيادة نحو تحقيق أهدافهم، فالكثرة المقلدة والقلة المبدعة.