الانتصار على النفس


فوجئت من إحدى الصديقات، التي كانت والدتها تشكوها إلي بسبب عدم حضورها مناسبات ذوي القربى، وهذا لم يكن من عادتها، فهي تتمتع بشخصية اجتماعية نادرة، تحب الناس و غالباً ما تكون من يبادر إلى تنظيم المناسبة، ولكنني عندما سألتها أجابت بأنها متعبة، وفي مرة أخرى عاودت الاتصال عليها لأطمئن، فإذا بسيل من المشاكل الصحية قد هاجمتها دفعة واحدة، بدأت تشتكي من الحياة و العمل و العائلة، كأن كل شيء لا يعجبها، إضافة إلى أنها أصبحت تعاني من صداع مزمن يستمر معها طيلة اليوم، ولا تتغذى جيداً، و تصف نفسها بأنها مدمنة شاهي، تقول أنه غذاءها الوحيد! و أصبحت مرهقة ولا تقوى على فعل شيء، غني عن القول أنه انخفض أداءها في العمل، سألتها عن تشخيص الطبيب و وصدمت عندما أخبرتني بأنها لم تذهب إلى المستشفى، و أنها على يقين تام بأن هذه عين أصابتها!

أتعجب من أصحاب هذا التفكير، إذا كان الإنسان يعاني من مشكلة فيجب أن يستعرض جميع الخيارات المتاحة له لحلها، بدلاً من التلوي و التشكي و انتظار حصول معجزة! عموماً، بعد أسبوع تقريباً من مكالمتي وصلني خبر أنها ذهبت إلى المستشفى و ذلك بعد أن سقطت فاقدة الوعي في صالة منزلهم، قاموا بعمل تحليل لها فوجدوا أنها تعاني من نقص فيتامين د.

الذي له دور كبير في تقوية المناعة، و امتصاص الكالسيوم، والحفاظ على أداء الجهاز العصبي، فنقص فيتامين د يؤثر على المناطق في الدماغ المرتبطة بالاكتئاب، كما أكد باحثون في جامعة لندن بأن نقص فيتامين د يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم. و نقصه أيضاً يمكن أن يكون السبب الرئيسي لأنواع مختلفة من أمراض العظام.

ليس فقط، بل سألها الطبيب عن نظام نومها، فأخبرته أنه نظام متقلب تماماً، حذرها من أضرار عدم انتظام الساعة البيولوجية، و هي ساعة موجودة داخل أدمغتنا تتحكم بأوقات إفراز بعض الهرمونات، أو ما يسمى النشاط الهرموني للجسم، و تضبط وقت الاستيقاظ والنوم لدى الإنسان، لذلك عندما نلخبط ساعتنا البيولوجية فإننا لا نؤثر على نظامنا اليومي وجدول أعمالنا وعلاقاتنا الاجتماعية فقط، بل نؤثر أيضاً على المنظومة الداخلية التي تعمل على أساسها أجسادنا، و الذي دون شك له تأثير سلبي على صحتنا.

يقول الروائي واسيني الأعرج: "لا زلت في حاجة لأن أتعلم كيف أنتصر على حماقات النفس المستكينة لأوهامها". أعتقد أن البعض حقاً يحتاجون لأن ينتصروا على حماقاتهم و أوهامهم قبل أن يقودوا أنفسهم إلى كارثة