من أنت لتغيرهم؟


"المسامح كريم" نرددها بكل قناعة ونحن نعِظ المتخاصمين، نقولها مؤمنين بجمالية فحواها ومعناها.. ندرك يقينا أن التسامح سيجعل العلاقات أجمل ونفسياتنا أفضل.. نؤمن أن كل فرد لو تسامح مع الآخر لكان المجتمع المسالم الهادئ الآمن أمراً متحققاً تقريباً.. نؤمن بكل هذا نظرياً فقط ولكن عندما يأتي التطبيق فنحن بأنفسنا أصحاب النظريات والخطابات الطموحة والبيضاء والسامية عن التسامح، نحن أول من يسقط ويفشل.. لماذا؟ لأننا ببساطة لم نفهمه.. نعتقد أنه فضيلة سهلة التحقق لا يعرض عنها سوى إنسان فاسد حقود حسود بقلبه غلّ وسواد.. ولكننا للأسف مخطئون وبعضنا يعتقد أن قلبه من أصفى القلوب وهو في الحقيقة غير متسامح البتة. لماذا إذن لا نتسامح حقا؟ ولما يختبئ هذا الخُلق تحت أغشية ثقيلة وداكنة؟ إن للتسامح معضلة غامضة تميزه عن بقية الفضائل كالصدق والعطاء والإيثار والكرم.. فهو يقتضي تحمّل أمور أو أشخاص محل رفض وهذه الأمور قد يجدها المرء فاسدة أو منحرفة أو أي مبرر يجده لنفسه ليفرض رأيه ويشرّع تعصّبه فهو في قرارة نفسه يجد أن بعض الممارسات التي يؤمن أنها لا يمكن أن تكون صحيحة وطبيعية من الجائز له أن يكون كاره لممارسيها وحاقد وباغض ومؤذي.. ورغم ذلك تجده يؤمن أنه المتسامح الطيب، ويدعوا لتقبل الآخر.. هذه النوعية من الناس تشكل برأيي سواداً أعظماً، ذلك لأننا نشأنا على وضع حدود لمن نحب ونتقبل وبنفس الوقت تعلمنا أن التسامح خلق عظيم فأصبحنا لا نسامح إلا أولئك الذين وُضعوا داخل دائرة تقبّلنا واحترامنا. في الحقيقة أرى أنه من الخطأ أن لا نتسامح مع الخطأ.. فطالما أن هناك قانون يحقق العدالة ليس على الأفراد السعي وراء تحقيق عدالة وفق معاييرهم الخاصة وبالتالي تنشأ التحزبات والعنصرية والتمييزات الطبقية.. يقول عالم الأحياء الدقيقة الفرنسي رينيه دوبوس: "من شأن التنوّع الإنساني أن يجعل التسامح أكثر من مجرد فضيلة، فهو يجعله شرطا للبقاء." ببساطة قبل أن نعتقد أن قلوبنا بيضاء علينا أن نفكر مجدداً بأولئك الذين نمقتهم ونتساءل لو كان لنا من الأمر شيئا فما لذي سنفعله بهم؟ تلك الأجوبة توضح ما إذا كنا متسامحين حقا أم لا، عالمنا هذا العالم الواسع الضخم المملوء بأشخاص لم يولدا لينسخوك بل وجدوا بأشكالهم وشخصياتهم وآراءهم وأخطاءهم وماضيهم الخاص المختلف جذريا عنك، ستتصادم معهم ولن ترضى بهم ولا بما يفعلون.. ولكن تذكر، من أنت لتغيرهم؟ الق السلام.. وامض في سبيلك. هكذا يعيش الإنسان.. المتسامح!