لا تحرم نفسك من هذه الفطرة


دون شك أن لكل منا همومه الخاصة، أما تتعلق بالعمل أو الدراسة أو أحلام طالما أراد تحقيقها ومشاريع وطموحات لا تنتهي، ‏في نظرة عميقة على واقعنا اليوم نجد أن هناك أشخاص سمحوا لهذه الحياة العملية (المادية) أن تطغى على جميع الجوانب الأخرى، هذه الفئة نلاحظ فيها الاهتمام بالمصلحة الشخصية فقط، لا يملأ عيونهم إلا الكسب المادي و يقحمون أنفسهم في منافسات هم في غنى عنها ويجعلون الآخرين أندادا و خصوم، و سواء كانت هذه الصفات تؤدي إلى نجاحهم أم لا، فإنهم يفقدون شيئاً عظيماً في أرواحهم، يفقدون إنسانيتهم، فما الفرق بينهم و بين الرجل الآلي؟ أليسوا يتشابهون في السعي المستميت لإنجاح مشاريعهم دون مبالاة بأي مبدأ ولا أي قيمة و يؤمنون بـ(الغاية تبرر الوسيلة)، إذاً ما الفرق؟! لقد لاحظت أن أي عمل يخلو من الإنسانية يؤثر سلباً على صاحبه، و كل ما كان هناك مبادرات و ممارسات إنسانية كلما انعكس ذلك على جودة العمل، و الحقيقة أن وجود "إدارة إسعاد الموظفين" في بعض الهيئة، مثل هيئة كهرباء ومياه دبي، هو استجابة فطرية لرغبتنا بإضفاء لمسات إنسانية إلى أجواء العمل، لكنها غير موجودة في كل القطاعات والجهات الأخرى سواء أكانت حكومية أو خاصة، يسأل البعض كيف يجعل الإنسانية جزءاً من عمله؟ خاصة وأن البعض من الناس يعتقدون بأن الإنسانية تقتصر على مهن مثل الإسعاف و الأطباء وغيرهم، الإنسانية في العمل ليست زر نضغطه، هي سلوك لابد أن يجعله الفرد في شخصيته، على سبيل المثال لا أعتقد أن هناك مهنة أكثر مادية من مدير مركز تجاري، رغم ذلك نجح مدير مركز في ماليزيا- لم يذكر اسمه- بأن يجعله عمله إنسانياً، وذلك عندما أخبره حارس أمن المركز، بأنه قبض على رجل و هو يسرق، و عندما استدعاه المدير لاحظ أنه سرق مواد غذائية و أطعمه و حليب رُضع، و لا شيء آخر، و قد أخبره الرجل أنه أب لثلاثة أطفال و أنه لم يجد ما يسد جوعهم، فلم يبلغ المدير الشرطة إنما أمر بتوظيف الرجل في المركز!. بل حتى الشرطة يمكن أن يقوموا بأكثر من عملهم، ففي ولاية ألاباما تم الإبلاغ عن سيدة تدعى "هيلين" بتهمة السرقة و عندما جاء الشرطي "دينيس" رأى أنها لم تسرق إلا خمس بيضات، وقالت أن عائلتها لم تأكل منذ يومين، فاشترى لها سلة البيض كاملة، لم ينتهي الأمر هنا بل عاد بعد أسبوع بشاحنة محملة بالأطعمة و الملابس، كانت تلك تبرعات قد جمعها لأجلها، و تظهر هيلين في صورتها مع الشرطي باكية و متأثرة اذ قالت "أنك لا تحتاج لفعل كل هذا لي يا سيدي". نعم انه غير مكلف بفعل ذلك، لكن أحياناً فطرتنا تكلفنا بأشياء لا يكلفنا بها العمل، رغم ذلك لا يزال هناك أشخاص يسعون خلف النجاح بأنانية قاسية فيحرمون أنفسهم من الاستجابة لهذه الفطرة.