جهود صامتة أنقذت البشرية


في عالمنا صخب وتزاحم بالمعلومات والأفكار والمخترعين والمبتكرين، ولكن تظل البعض من أهم الكشوف العلمية، محورية وهامة، ونقلت الإنسان لمرحلة عظيمة من التطور والتقدم، وساعدته في التغلب على كثير من الصعاب أو الآفات التي كانت تتسبب بموته، بين يدي قصة كشف علمي، الكثير منا قد لا يعلمها، رغم أهميتها القصوى لنا، وهو عن الدكتور لويس باستر، أستاذ وباحث فرنسي، وقد أطلق عليه لقب أعظم من ساهم في علوم الطب في القرن التاسع عشر، أثبت أن أنه يوجد كائن حي عضوي خامته البكتيريا، هي سبب بعض الأمراض، فأنقذ بذلك صناعات الحرير في فرنسا، كما طور أيضا عملية سمّيت باسمه وهي البسترة، عن طريق التسخين لقتل الجراثيم في الطعام، كما توصل إلى كيفية عمل اللقاحات التي ساعدت في الوقاية من الأمراض مثل الجمرة الخبيثة "أنتراكس" هذا العالم العبقري باستر، قدم العديد من الاكتشافات التي ساهمت في إنقاذ الملايين من الناس، ففي عام 1870 في الحرب التي اندلعت بين فرنسا وروسيا، وعندما انهارت الدفاعات الفرنسية، وزحف الروس إلى باريس وخسرت فرنسا الحرب، امتلأت المستشفيات بآلاف المرضى والجرحى من الجنود في مستشفيات باريس، وكانوا العاملين فيه تلك المستشفيات من ممرضين وأطباء يعتقدون أن الهواء ملوّث وسام، ويتسبب في المرض والعدوى، ولكن لباستر رأي آخر، حيث أنه يفهم حقيقة أن بعض الأمراض تأتي من الجرثيم، ومع ذلك فإن الجراثيم لا تنتقل من شخص لآخر من دون وسيط ناقل، والذي كان يُعتقد أنه الهواء وحده في ذلك الزمن، ولكن باستر أثبت أن الأطباء هم الذين ينقلون الأمراض المُعدية عندما ينتقلون من مريض إلى آخر، كانت معظم مستشفيات باريس قذرة في ذلك الزمن، حيث أن الأطباء يجرون عملياتهم من دون ارتداء القفازات أو حتى أقنعة، ونادراّ ما يطهّرون الأدوات الجراحية، وإذا حالفك الحظ ونجوت من مرضك فلديك احتمالية أن تصاب بعدوى لضعف مناعتك. نشر باستر هذه النتائج في بحوثه في فرنسا، فأخذ العالم الأنجليزي "جوزيف ليستر" يتابع ويقرأ تلك البحوث وأخذ يفكر في طريقة تقتل الجراثيم وقت الجراحة ومع محاولاته اكتشف محلول مطهّر اسمه "حمض الكاربوليك" وقام هذا المحلول الكيماوي بتقليل نسبة الأمراض المعدية التي يتلقاها المرضى بعد العمليات، وفي نهاية كل اجراء صحّي يلامس جسد المريض يدهن المرضى بهذا الحمض المطهّر. قبل اختراع هذا المحلول، كان 45% من المرضى يفارقون الحياة جرّاء التلوث في غرف العمليات، وبعد اختراع ليستر انخفضت إلى 15% فقط. نفهم من هذه القصة أن ليستر لم يبدأ من الصفر لعلاج مشكلة موت المرضى بعد العمليات، بل بحث في أبحاث عالمية حتى وصل لأبحاث العالم باستر، الذي فكر بطريقة مختلفة لمحيطه وأدرك ما هو جذر المشكلة المسببة للتلوث ومن ثم المرض فالوفاة. بقي علينا أن نعود أنفسنا على كيفية البحث عن حلول للمشاكل مهما كانت، والاستفادة من خبرات وتجارب من سبقونا، وأيضا نعلي ونقدر جهود أمثال هؤلاء العلماء، اللذين قدموا للبشرية بأسرها مبتكرات مفيدة كانت نتاج لقوة ملاحظتهم وعمق العلم والمعرفة لديهم.