العشوائية وحاجتنا


ما هي الحرية؟ اسأل سؤالاً عابراً كهذا واستمتع بتنوّع الاجابات والآراء المتباينة.. إنه لمن الغريب والمثير للسخرية أن مفهوماً كالحرية يحتاجه الإنسان كحاجته للماء، لازال تعريفه غير واضح ولازلنا نختلف عندما نحاول شرحه وتفنيده.. قبل أن تكمل القراءة دعني اسألك ما هو مفهومك للحرية؟ ومن بين جميع المفاهيم لا يهمني سوى واحد فقط ألا وهو أن الحرية مرادف لغياب أي قيد أو قسر خارجي على المرء، حيث أنه حر مالم يكن هناك عائق يحول بينه وبين ما ينوي فعله. فإن كان هذا ما يطرأ على بالك عندما تتطرق كلمة حرية إلى ذهنك فأعتقد أنك بحاجة إلى إعادة النظر. في الواقع الأمر لا يبدو الأمر مثاليا وورديا كما نعتقد، فبطريقة أو بأخرى هذا النوع من الحرية سيجلب الضرر والمشاكل والاعتداءات على الأفراد فكل إنسان حر بأفعاله لا يردعه شيء.. وبغياب القيود الخارجية التي تُفرض علينا نحن سنفتقر للقانون الذي رغم أنه يقيّدنا إلا أنه سيتكفل بحمايتنا. هذا ما دفع إيساييه برلين وهو أحد الفلاسفة السياسيين في القرن العشرين إلى عقد محاضرة في عام ١٩٥٨ بعنوان مفهوم الحرية، يوضح فيها أن إعطاء الصلاحيات للفرد لممارسة إي فعل في غياب القانون يحوّل الحرية إلى فوضى وأن هذه الممارسة هي ما يسمى بالحرية السلبية.. لذلك ولعلاج هذه المعضلة وضع ما يسمى بمبدأ الضرر وهو ينص على أنه يجب السماح للأفراد بالتصرف بطريقة لا تضر الآخرين ولا يجوز للمجتمع فرض قيود إلا في حالة وقوع مثل هذا الضرر. قد يفهم البعض من كلامي أني أحقر حاجة الإنسان لمتنفس أو بمعنى آخر حرية، ولكن ليس هذا المقصد هنا أبدا ففقدان الشعور بالذات وأصالتها وتفرّدها أمر جلل، "أعطني حريتي أو أعطني الموت" عبارة قصيرة من داعية الحقوق والحرية هينري باترك، صدح بها في وجه الاحتلال البريطاني ليخبر العالم أن تلك القيود التي تسلخ الانسان من ذاته ليست إلا ضرب من ضروب الجريمة.. ولكن المقصد هو أن الحرية هي أعقد من أن تكون تصرفات عشوائية يفكر بها المرء ويمارسها دون أن يحسب لها حساباً ويلقي لعواقبها بالاً.. أعتقد أن اختصار مبدأ الضرر ومفهوم الحرية السلبية لإيساييه برلين يمكن اختصاره بما قاله الكاتب المسرحي التشيكي توم ستوبارد: "مسموح لي أن أرفع صوتي بالغناء في حمامي إلى الحد الذي لا يتعارض مع جاري في أن يشدوا بأغنية مختلفة في حمّامه."