خرجنا من ضلع جبل:


في روايتها " خرجنا من ضلع جبل" تأخذنا المؤلفة لولوة أحمد المنصوري، نحو حكاية لا مجال لفهمها منذ

السطور الأولى، بل حتى لا مجال للتنبؤ بها حتى ولو تجاوزت الصفحات العشر أو العشرين، لأنك أمام عمل روائي تكثر فيه الرمزية، مع تشويق واضح بالبديهيات المبثوثة في المنجز، بمعنى لم تلجأ المؤلفة لسرد تبدل فيه المكان أو تغير الملامح والمسميات، لا.. هي قدمت عمل سمت كلا باسمه دون تورية أو أي محاولة للتشويق، لكن الرمزية كانت في الإطار العام، في الحكاية نفسها، وليست في تفاصيلها، وهذه تحسب للمؤلفة ولمنجزها الذي وجد الاحتفاء عندما فازت بجائزة الإمارات للراوية. تأخذنا المنصوري، في رحلة سردية فيها بوح ذاتي، طوال فصول وأقسام الرواية، التي قسمتها إلى 34 عنوان، بدأت بعنوان: قبر جبل، وخلاله قذفت بالقارئ مباشرة في أتون منجزها، حيث قالت: " هل ترسم الروح؟ ربما... باللون الأبيض، وعلى صفحة بيضاء جدا، كيف أرسم الجثث التي ارتفعت من البلدة وهي الأرواح من أمر ربي؟ لا املك سوى لونين، لبحر وجبل! هنا تكون اللوحة ناقصة دون قارب نجاة". أما الجبل الذي كان حاضرا في الرواية بقوة، بل هو الإطار الذي تدور الرواية حوله، أو هو البطل المتوج في هذا المنجز فهي تشير إلى جبل جيس، والذي يعد أعلى جبل في الإمارات، ويقع على ساحل البحر شمال إمارة رأس الخيمة. تحمل الرواية بين طياتها قيمة إنسانية، وكلمات مثالية ومعبرة، تعتبر بمثابة الحكم المبثوثة بين أرجائها، خاصة وأن البطل الآخر الذي كان حاضرا في المنجز هو الموت، تقول المؤلفة: " من واجبي أن أحمل معاصي البلدة وكل إثمها على ظهري، أحملها وحدي في الطريق الطويل المؤدي إلى المقابر، وأنا لا أملك وسيلة سوى خنجر أحفر به الماضي السحيق، في محاولة يائسة للعثور على الحقيقة الشحيحة". رغم أن هذا المنجز الروائي يعتبر من الرواية القصيرة، حيث يمكنك الانتهاء من قراءتها في جلسة واحدة وخلال فترة زمنية موجزة، إلا أن التكثيف اللغوي والعناية بالجمل، تجعلك تعيد قراءة البعض من نصوصها، وقد يدهش البعض عندما أقول نصوصها، كون المنجز عمل روائي، إلا أننا في هذا العمل أمام بناء متشابك نعم، لكنه في اللحظة نفسها مفكك، ويوجد تقسيم موضوعي لكل جانب، ولا أدل على هذا من التقسيم الرئيسي المرقم وأيضا المعنون، وفي البعض من تلك الأقسام أيضا أقسام أخرى أقل طولا، ولذا نحن أمام رواية متعددة الجوانب، وإن كانت وحدة الموضوع الرئيسي ماثلة. كما ذكرت تمت الكتابة بلغة قوية، إلا انك وأنت تبحر في عباب الكلمات تشعر بالتعاطف وكأن الكلمات الحادة تحولت إلى الرقة والوداعة، هو شعور يتسرب نحو القارئ – أو على الأقل تسرب نحوي – كأن الكلمات رغم حدتها تعاطفت مع حالة البؤس وهول ما يحدث من صراعات الإنسان مع هذه الحياة. تقول المنصوري: "أبي يفتح لي باب البيت في وجه فال الصباحات، ويبتسم قائلاً: امضي يا أبنتي... نحو كل شيء واللاشيء... البلدة تحتاج إلى الحقيقة لتلد الأصحاء لا الكهول... عليك بزاد التقوى لا زاد السحرة. وأمضي وفي رئتي من روح الله". رواية شيقة، مؤثرة، توجد فيها دلالات كثيرة، أما قصتها فأكثر إبداع وابتكار وذكاء، وهي وظيفتك أيها القارئ لاكتشافها.