ماذا عن المستقبل يا صديقتي

تشكوا إحدى الصديقات دوماً من شح المال، رغم علمي أنها موظفة وراتبها الشهري ليس قليل، وأعلم أيضاً أن زوجها موظف ولديه راتب متميز، يدهشني أنها في نهاية الشهر، تصبح أشبه بالمفلسة، في إحدى الجلسات طلبت منها أن تكتب قائمة بالأمور التي تستنزف أموالهم، قسط السيارة، البنزين، الفواتير، مصاريف المنزل، ومدارس الأطفال، كلها كانت أمور طبيعية، إلا شيء واحد، توقفت أمامه بذهول وهو تسديدها وزوجها جزء ليس قليل من راتبهما على أقساط بنكية تتعلق بقرض كبير. سألتها متى ينتهي هذا القرض؟ قالت في منتصف العام، مباشرة قلت: هذا أمر جيد، الآن تقريباً سيصبح معكما وفر من المال ممكن استثماره في أي مشاريع مستقبلية لكما. إلا إنها فاجأتني تماماً وهي تقول: لا لأننا سنعود نكرر نفس القرض، سألتها لماذا؟ فأبلغتني لأنهم يحتاجون المال لإنفاقه في سفرهم القادم لأوروبا، وقامت تحدثني عن هذه الرحلة القادمة. ببساطة الذي تفعله هذه الصديقة ومعها زوجها، أنهما في كل عام يذهبان في رحلة لمدة شهر، يصرفان خلالها مبالغ ليست قليلة، هي في الحقيقة قروض بنكية، تخصم من راتبها الشهري ومن راتب زوجها، وتظل هذه الخصومات مستمرة لمدة احدى عشر شهراً، وما أن يكملوها حتى يعودون مرة أخرى بأخذ قرض آخر. الغريب بحق عندما قالت وهي مستبشرة: حتى البنك فهم طريقتنا، وبات يجدد القرض مباشرة، فقط نوقع ورقة واحدة، ويودع المبلغ في الحساب، سألتها هل مضى وقت منذ بدأتم بهذه الطريقة؟ فذهلت أنهم أمضوا ستة أعوام، ولن أدهشكم بحجم المبلغ الذي نتحدث عنه، لكنه لن يقل عن خمسة ملايين تم استنزافها طوال ستة أعوام، على رحلات سياحية ليست شيئاً ملحاً، ولا هم ملزومين به، فضلاً عن هذا في بلادهم خير كثير ومواقع ترفيهية العالم بأسره يأتي للتمتع بها، ولكن وكما يقال زامر الحي لا يطرب، ولكن ليست هذه بحق المشكلة، وإنما المشكلة الحقيقة هي في نظرتهم للحياة وطريقة تصريف أموالهم، وعدم وجود أي وعي بالمستقبل وأيامه، خاصة أننا نتحدث عن أناس ليسوا صغار ولا هم في مقتبل العمر، وأيضاً ليسوا من أسرة لديها موارد أخرى، موردهم الوحيد هو هذا الراتب، ولو قدر لأحد منهم وأصابه مكروه لأنتكس حالهم وباتوا في فقر تام واضح. مع الأسف مثل هذه الصديقة كثيرون جداً، ممن لا يفكرون بالغد والمستقبل ويصب جام التفكير على اللحظة التي يعيشها، والمشكلة الحقيقية عندما يحيط بمثل هؤلاء أطفال قد تكبر احتياجاتهم المستقبلية، فتجد هذه الأم وهذا الأب أنهما مفلسين ولا يملكون المال حتى لشراء قنينة دواء، لا أريد بث السوداوية، ولكن من غير المعقول إنسان دخله الشهري يتجاوز الثلاثين ألف، ويأتي نهاية الشهر وهو لا يجد في حسابه درهم واحد...