كي تعيش تعلم فن التجاهل

كما يقال أنت لا تعيش الحياة وحيداً، أو كما يحب أن يردد علماء العلوم الإنسانية وخاصة علم الاجتماع، الإنسان كائن اجتماعي، وهذه الخاصية التي هي فطرة أو ميزة، لا فكاك منها، ولا هروب عنها. قدرنا جميعاً أن نلتقي يومياً بأناس يسيئون التصرف تجاهنا إما بالفعل أو القول، أو حتى بغيرها مثل الإشارات والإيماءات، ولكنها في المجمل إساءة.. ولعل هذا من نوع الإساءة التي لا يمكن الشكوى منها أو المحاكمة عليها، رغم الأذى النفسي البالغ التي تسببه. هذا قدرنا جميعاً، ولا مفر من التعامل مع مثل هذه النماذج، والتي في البعض من الأحيان قد تكون مقربة منك، إما لطبيعة العمل أو صلة القربى أو غيرها، هؤلاء الذين يجيدون الإساءة بطرق ملتوية وفيها غمز ولمز – كما يقال – من الصعب التغلب عليهم، فأنت حتى لو أردت لن تستطيع إسكات الناس، ولن يمكنك ولو رغبت أن تفرض الصمت على أحد. الجميع سيتحدث وسيتكلم، وهذا دون شك سيؤذيك، والبعض قد يسبب إحباط تام له، أسوى ما قد يؤذي في هذا السياق هي الكلمات التهكمية التي لا أساس لها، والتي تضرب وتر محدد يتعلق بجانب من شخصيتك، وقد يكون من الصعب التخلص من هذا حتى وإن كان غير مؤذي أو غير سلبي، وهؤلاء من الممكن أن يقذفوا بك في أتون هذه الممارسة وأنت لا ناقة لك ولا جمل، بمعنى يدفعوا بك لمشاركتهم إيذاء الآخرين لفظياً عندما يتحدثون وأنت بينهم ويطلبون رأيك؟ ثم يناقشونك في ما تقوله إذا لم يناسبهم، وفيما بعد قد تجد نفسك وقد بت واحداً منهم وفي صفهم. أمام هذا الواقع، الذي قد يكون مر بنا جميعاً، لا حل في الخصام، ولا في العراك ولا في التلاسن والشتم، صحيح أنه من البديهي أن تمارس دور الناصح وتقدم الإرشاد، إلا أنه ورغم أهمية وحيوية، مثل هذه المهمة النبيلة، لكنها في البعض من الأحيان لا تأتي بنتيجة، ولا يكون لها صدى، ولكن يوجد مجال للمحاولة، في كلا الأحوال أمام واقع مثل هذا، لا أجد أبلغ من كلمات قالها الفنان والممثل الهزلي الشهير شارلي شابلن، وهي كلمات تنم عن خبرة حياتية طويلة وأيضا فهم جيد للناس واختلافهم، حيث قال: " كي تعيش عليك أن تتقن فن التجاهل باحتراف". وأنا أضم الصوت معه، لتجد حياة سعيدة، وتنعم بأوقات محملة بالبهجة، تعلم فن التجاهل، فن التطنيش، فن عدم الإصغاء لكل محاولة للتقليل منك ومما تقدمه للناس والمجتمع، لا ترخي السمع لكل من يتطاول على منجزاتك وأعماك، ولا تسمح لمن ليس ثقة أو أهل للثقة بأن يتقرب من محيطك ويتعرف على تفاصيل حياتك أو حتى البعض من هذه التفاصيل.