العلماء لا يملكون خيالاً

الكثير من العلماء الذين أثروا العالم وقدموا للبشرية خدمات جليلة وعظيمة رحلوا في صمت لا تعرفهم سوى الأروقة العلمية التي ساروا في دروبها، والمعامل والمختبرات التي لطالما قضوا الساعات الطوال في أرجائها. ورغم هذا، فإنهم كانوا مفيدين جداً للناس، والكثير من هؤلاء مضوا دون تكريم، ودون أن يشعروا بالامتنان لما قدموه. والغريب في الأمر أنهم كانوا متسامحين، فلم يسمع عنهم كلمات تأنيب أو شكوى أو تذمر، بل قاموا بواجبهم لا أكثر. هؤلاء، وهم كثر في مختلف المجالات العلمية من الفيزياء والرياضيات والطب وصولاً لعلوم الفضاء والإنسانيات وغيرها، فعلاً قدموا خدمات جليلة، أسماؤهم يتم تداولها فقط في الأروقة العلمية، ولكن المجتمعات بصفة عامة تجهلهم ولا تعرف مدى ما قدموه. ولدينا قائمة طويلة جداً من مبتكرات نستفيد منها ونعيش حياة سهلة بفضلها ولكننا نجهل من وقف خلفها وقدمها لنا. على سبيل المثال لا الحصر، من هو العالم الذي اكتشف علاجاً لمرض السل أو الكوليرا أو الحصبة أو الجدري؟ من هو العالم الذي وضع أو طور نظرية الحركة والاحتكاك وتسبب في تطوير آلية سير المركبات التي تجوب شوارعنا ولا نستغني عنها في عالم اليوم؟ من هو العالم الذي تمكن من اختراع أنظمة الصوت والتسجيل وحفظ المواد الصوتية على وسائط مثل الأشرطة وتطورت لاحقاً لتصبح على «سيديهات» ثم «فلاشات»؟ من هو العالم أو العلماء الذين طوروا أنظمة الطيران، وما زالوا يطورونها؟ قائمة طويلة لن تنتهي، كل شيء في حياتنا المعاصرة فيها لمسة من لمسات علماء أفنوا حياتهم من أجل هذه اللحظة التي نسعد فيها ونستخدم مبتكراتهم ومخترعاتهم. رغم كل هذا، فإن بيننا من يتهم العلماء بالتعقيد والجمود، وأنهم مثل الآلات دون مشاعر، همّهم العمل والبحث، وعندما يتحدثون عن عملهم لا تفهم منهم شيئاً، تشعر بأنهم معقدون، يفتقرون لفهم الحياة والتفاعل مع المجتمع. وخير ما أستحضره هنا هي كلمات العالم الدكتور بيتر ميدوار، وهو عالم بعلم الحيوان، بريطاني من أصل لبناني، وأحد رواد علم المناعة في العالم، حاز جائزة «نوبل» في الطب عام 1960 بالمشاركة تقديراً لبحوثه في زراعة الأعضاء، حيث قال: «لقد آن الأوان لكي يتخلى رجل الشارع عن الاعتقاد المضلل بأن البحث العلمي عمل تنقصه حرارة العاطفة والإثارة، ويخلو من مزايا الخيال، وأن العالم رجل منصرف إلى الاكتشاف، لأن البحث العلمي في أي مرحلة من مساره هو مشروع ساحر مثير، بل إن الارتقاء في المعرفة الطبيعية يتوقف قبل كل شيء على إيجاد منفذ إلى ما يمكن تخيله وإن لم يزل غير معروف». العلماء لديهم مشاعر، ولديهم أحزانهم وأفراحهم، لكنهم مندمجون لخدمتنا، ولو صح أنهم لا يملكون الخيال لما فكروا بتميز وإبداع أكثر منا، ولما عملوا على ترجمة هذا الخيال ليكون واقعاً نعيشه بسعادة.

لقراءة المادة من المصدر انقر على الرابط التالي:-

http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/252482EA-7BA4-44E2-989D-1C5C8404EAA9#sthash.cH2rSesw.dpuf