كتب تحترق: رحلة معرفية في أغوار التاريخ لرصد محاولة اغتيال المعرفة والعلم


ما تعارف على تسميتهم "مدمرو المكتبات" يرجع تواجدهم إلى أقدم العصور، بل البعض من العلماء قال بأن ظهورهم جاء بالتزامن مع ظهور الكتب نفسها وبناء المكتبات، وظلّوا يتوالدون مع تكاثر الكتب بقدر ما تزداد كميتها يزداد السعي إلى تدميرها، على سبيل المثال الحادثة الشهيرة وهي عملية إحراق مكتبة الإسكندرية التي أسسها "بطليموس الأول" حيث تعرضت المكتبة للحرق وانتهت عام 48 قبل الميلاد، وأعيد تأسيسها من جديد عام 2002 تحت أسم مكتبة الإسكندرية الجديدة.

بين يدي كتاب حمل عنوان:" كُتب تحترق تاريخ تدمير المكتبات" للمؤلف "لوسيان بولاسترون" وهو كاتب فرنسي من مواليد 1944، وله عدة مؤلفات أخرى مثل كتاب: (الورق تاريخ ألفين سنة...) بالإضافة إلى عدة كتب مرجعية حول (الحروفية) وفن الخطّ.

هذا الكتاب الذي نقرأ اليوم، ضم بين دفتيه ثلاثة عشر، كان عنوان الأول منها: "هل حرق عمرو مكتبة الإسكندرية" وهو قدم شهادة تاريخية عن تلك الفرية وفندها، أما الفصل الثاني: " في مهد المكتبات" وتحدث في الفصل الثالث عن بدايات الكتب، تحت عنوان: " عصر ورق البردي " وكان الفصل الرابع: " إسلام البدايات الأولى " والخامس: " أهل الكتاب " عنون الفصل السادس ب: " آسيا قبل القرن العشرين" والسابع: " الغرب المسيحي" والفصل الثامن: " من العصر الوسيط إلى الثورات" وأما الفصل التاسع، فقد خصصه لأهم الحوادث التي وقع فيها حرق للمكتبات وحمل عنوان: "مدمروا المكتبات الجدد" حيث ناقش أسباب كل هذا التعسف ضد المعرفة والكتاب تحديدا كونه وعاء من اوعيتها، وأستعرض في الفصل العاشر، من خلال: " جولة حول العالم في نهايات القرن" ثم أنه توقف في الفصل الحادي عشر، لرصد أهم الخسائر التي منيت بها الحضارة الإسلامية بسبب التعدي على كنوز المعرفة الإنسانية، وكان تحت عنوان: "خسائر الإسلام" أما الثاني عشر، فحمل عنوان: "عوائق الحداثة"، بينما خصص الفصل الثالث عشر، للحديث عن حماية المكتبات والمعارف، وجاء تحت عنوان "معرفة منع قابلية الاشتعال".

تمكن أهمية هذا الكتاب لكونه وثق علميا تاريخ العمليات الكبرى لتدمير المكتبات منذ الصين في عهد سلالة كينغ وصولاً إلى الكوارث المعاصرة، من حريق الإسكندرية إلى ألتهاب سراييفو سنة 1992، مروراً بروما، وكتيزيفون، وبغداد (جنكيز خان)، ثم شرور محاكم التفتيش، ثم الثورة الفرنسية أو الكومون، وأظهر المؤلف إلماماً معرفياً متميزاً في هذا المجال، الذي يعاني من شح في الدارسين المتحمسين، والذي لم يبحث فيه بشكل جيد، لقد تمكن "لوسيان بولاسترون" من تتبع التحريات المتعلقة بأسباب الكارثة بحيث يعيد تركيب الكنوز المفقودة، ويقتفي إثر المؤلفات الناجية، وتتضح شمولية هذا العمل أن الكاتب خصص فصولاّ متعددة لجميع الحضارات من مختلف القارات، لذا يمكن اعتبار هذا المنجز موسوعة وإن مصغرة لتاريخ المكتبات منذ الأزمان الغابرة إلى تاريخ اليوم في عصرنا الرقمي، بقي الإشارة بأن "لوسيان بولاسترون" فرنسي الأصل وهو باحث متخصص في تاريخ الورق والمكتبات، علاوة على إجادته اللغتين الصينية والعربية.

تم نُشر الكتاب في وزارة الثقافة والفنون والتراث في قطر وبلغت عدد صفحاته 463 صفحة وقام بنقله إلى العربية "هاشم صالح" و "محمد مخلوف".