تعزيز حس التفكير لدى أطفالنا


قبل فترة من الزمن قرأت قصة عن طفلة أمريكية، كانت تشعر بالغضب عند تسوقها من الأشخاص الذين يدفعون عربات التسوق ببطء، في حين أن هناك آخرين يريدون أن يسرعوا، فذهبت إلى مكتب مدير السوق واقترحت أن يقسم ممرات السوق إلى مسارين أحدهم لمن يتسوقون بسرعة والآخر لمن يسير ببطء، وبالفعل تم تطبيق اقتراحها، انتشرت قصتها على نطاق واسع، وبدأت أسواق كبرى في تطبيق الفكرة، من هذه القصة أستنتج أنه يمكن ملاحظة أن الأطفال يميلون إلى إيجاد حل للمشكلة فوراً بدلاً من الانتظار أو التأجيل، إذ أنهم لم يتعلموا تجميد عقولهم، أو هم يتصرفون على طبيعتهم وعفويتهم وفطرتهم التي تقود نحو عدم التأجيل والتسويف، أتذكر أنه في ذات يوم كنا والعائلة نقضي أوقات جميلة على الشاطئ وخلال المشي على الساحل وبرفقتي ابنتي، كانت توجد أسماك نافقة، وكما نعرف جميعا ظاهرة المد والجزر، والتي تخلّف وراءها البعض من تلك الأسماك على رمال الشاطئ، عندما شاهدت ابنتي إحدى تلك الأسماك، سألتني عن سبب موتها، وقمت بشرح ما يحدث بالتفصيل، منذ ذلك اليوم في كل مرة نذهب إلى الشاطئ ليلاً تحمل معها دلو ماء وتبحث على رمال الشاطئ، لتنقذ الأسماك المنحوسة التي لم تتمكن من اللحاق بالجزر، كنت أرافقها في مهمتها لإنقاذ البعض من تلك الأسماك وأظهر لها أهمية عملها، لأني أدرك أني لو تمكنت من الحفاظ على هذه الصفة في وجدانها وهي صفة المبادرة وحل المشاكل والعقبات، ستكون فتاة إيجابية وأكثر نجاح، وأعتقد أننا جميعنا كأمهات وآباء يجب علينا تعزيز قيم أطفالنا التي جاءت معهم، تلك الخصال الجميلة الفريدة التي هي جزء من تكوينهم العقلي، وأن لا نفسدها بقيودنا أو احتمالاتنا أو مخاوفنا أو نحبطهم بسلبيتنا ونظرتنا لبعض الأمور، فلو تمكنا جميعنا من الحفاظ على حس المبادرة في عقول أطفالنا فإننا سنبني جيلاً ناجحاً في حياته العملية ومنتجاً ومبتكراً، كما كان أباءنا و أجدادنا في الأجيال الماضية.

وأعتقد أن جزء من هذه المهمة تقع مسؤوليتها أيضاً على المدرسة، وعلى كل معلمة ومعلم، فهؤلاء عليهم أن يفسحوا المجال لتفكير الطفل، ومنحه مساحة للتميز والإبداع والتصرف على سجيته، وأن لا يكون التعليم كالتلقين والحفظ ويكون بعيداً عن تعزيز حس المبادرة والتفكير والابتكار، لأن التعليم الذي يقوم على التلقين تم تجربته في الكثير من المجتمعات من العالم، ولم يكن المنتج في نهاية المطاف وفق المأمول، أما فسح المجال للتلميذ منذ نعومة أظفاره وفي سنوات تعليمه الأولى للتفكير والابتكار، وتشجيعه على هذا المجال وأن يكون جزء من يومه، فهو الطريق الأمثل والناجح، لكل أب وأم، افسحوا لعقول أطفالكم بأن تنمو على طبيعتها وغذوها بالمعارف والمعلومات المفيدة.