أمة الشعراء وديمومة النعم


عند الحديث عن أي قضية من القضايا، خاصة إذا كان لها بعد مستقبلي أو لها شواهد من الماضي من المفيد أن نستحضر هذه الجوانب للدلالة على ما نسوقه من كلمات، فعندما يأتي أحدهم للحديث عن التطور الذي وصلناه خلال فترة وجيزة من المناسب أن يستحضر نماذج من دول مجتمعات عمرها تجاوز المائتين عام وأكثر وهي ترزح تحت نير الفقر والتدهور الاقتصادي والتنمية المتعثرة، وعندما نستحضر مثل هذا المثال فليس القصد هو التقليل من أي مجتمع، وإنما الدلالة والشاهد.

من هذه النقطة أتذكر حديث لإحدى الصديقات من إحدى دول الخليج العربي، قالت خلاله: أن جدها كان دوماً يتحدث عن نعمة الأمن التي انتشرت، وكان دوماً يقول: "أنتم لم تعيشوا حياتنا، فقد كنا نعيش في خوف وجوع وقلق، لا يوجد أمن ولا يوجد طعام، بل تعب وحياة قاسية، لذا حافظوا على وطنكم، واشكروا واحمدوا الله على هذه النعم العظيمة".

بطبيعة الحال، فإن هذا الجد يتحدث عن واقع قاس عاشه هو وآباءنا وأجدانا، لكننا نحن جيل اليوم، فتحنا أعيننا على مدارس فارهة وشوارع معبدة وملابس جميلة ومطاعم وسيارات ومنازل دافئة في الشتاء وباردة في الصيف، نجهل تماماً مثل تلك الحياة التي يتحدث عنها ذلكم الجد، لذا مع الأسف يوجد بيننا من يجهل قيمة هذه النعمة العظيمة، وبالتالي تجده مستهلك لا يطور نفسه ولا يبني معارفه على أسس قوية، ولا يواصل تعليمه بثقة واجتهاد، بل يعيش بشكل وقتي وآني دون أي اهتمام ولا تشغله أي مخاوف أو هموم بالغد والمستقبل، وهذا خطأ تام، وأعتقد أنه يقع على من قام بتربيته وتعليمه، فقد كان من الأهمية أن نغرس في قلوب الأطفال منذ نعومة أظفارهم كيف نصون هذه النعمة ونحافظ عليها.

قبل فترة من الزمن قرأت كلمات عن الصومال، وأحزنتني جداً، خاصة عندما مر بي الحال المتردي الذي وصلت له ومعاناة الناس من الفاقة والجوع وعدم الأمن، ففي عام 1856م قام رحالة انجليزي يدعى ريتشارد بورتون، بزيارتها ودهش وأعجب بها وبتطورها، وكتب عنها ووصفها بأنها أمة من الشعراء.

ماذا لو شاهدها اليوم، ما عساه أن يكتب؟ لقد انهار كل شيء في هذا البلد، حتى العالم فشل في مساعدتهم، بسبب الحرب الأهلية الطاحنة القاسية فضلاً عن المجاعة التي أطلت برأسها المظلم على الإنسان هناك.

الذي أصل له، هو أن التطور والنمو والتقدم والحضارة لتبقى وتستمر، تستلزم منا صونها والمحافظة على مقدرات بلادنا والعمل أن نكون منتجين لا مستهلكين، دعاة للأمن وحماية الضعفاء وإعلاء القيم الجميلة النبيلة، وفي اللحظة نفسها على علم ومدركين بحجم هذه النعمة العظيمة، لأن الإدراك هو البداية للمعرفة، والمعرفة ستقود نحو العمل الصحيح.