في النهاية لن تتألم إلا نفسك


قرأت قبل فترة من الزمن قصة عن رجل لتوه يتقاعد عن العمل، وكان يجلس بين أبنائه، جلسة عائلية دافئة، راح يتأملهم و قد ملأه الفخر و الاعتزاز، فهم اليوم ذوي تخصصات علمية راقية، ببساطة نجحوا في حياتهم، احتدم النقاش بين الأبناء عن قضية فلسفية بحتة، ويبدوا أن الأب وجدها أنها فرصة ليعطي رأيه وبعد تفكير طرح وجهة نظره بشكل عفوي وحاسم، عندها لاحظ أن أبنائه يتبادلون النظرات، وقد أطبق الصمت عليهم، وبعد برهة تابعوا نقاشهم، فأعاد طرح وجهة نظره، وكأنهم لم يسمعوه في المرة السابقة، منتظراً منهم أن يسمع وجهات نظرهم، لكنهم تجاهلوه، فسألهم: ما بكم يا أبنائي؟ أجابه أحدهم على استحياء: المعذرة يا أبي، ولكنك تتحدث عن موضوع مختلف تماماً عن الذي نتحدث عنه، وأنت معذور فليس لديك علم بما يدور حديثنا حوله، كونه لم يمر بك من قبل، ضحك الأب بل سخر منهم، لكنه عندما نهض و اختلى بنفسه، نزلت دموعه، فالأبناء كانوا قد طعنوه! كيف لأبنائه الذي كان يعولهم، أصبحوا أفضل منه، بل و يتجاهلون آراءه؟! وهنا جاء القرار بأن يكمل تعليمه الجامعي، استغرب الجميع، فالأب متقاعد، وما الذي سيستفيد من شهادته الجامعية، لكنه كان متحمس لقراره، كان يستذكر محاضراته و يناقش الدكاترة، حصل على علامات مرتفعة، و مرت الأعوام و في يوم تخرجه سأله أحد أبنائه: و الآن ماذا استفدت؟ رفع الشهادة في وجهه و قال: ربما الآن أستطيع أن أشارككم الحديث و النقاش. تغيرت ملامحهم وعلموا – فقط في تلك اللحظة - أن ذلك الموقف لا يزال في قلب أبيهم المكسور، وأنه شكّل جرحاً لن يمحوه اعتذار!. لكن في الحقيقة الذي كنت سأفعله لو كنت مكان الأب هو أن أسرد لأبنائي مسيرة حياتي الممتلئة بالكفاح و أقارنها بحياتهم المرفهة التي عاشها داخل قوقعة حمايتي، لأن الحقيقة أن المعرفة والخبرات لا تقاس بشهادة، ومن الأدلة في هذا السياق "الطب البديل" الذي يفاجئنا كل يوم باكتشاف علاجات و أدوية مستخلصة من النباتات كانوا يستعملونها أجدادنا، كوردة "الونكة" وما تسمى كذلك بـ "الدفلة" التي يستخلصون منها علاج لسرطان الدم عند الأطفال (اللوكيميا). رغم ذلك لا يمكننا لوم الأب أو اتهامه بالحساسية المفرطة لأن أسوأ شيء يمكن أن يحصل هو أن تعتقد أن أحدهم لا يقدر خبراتك الحياتية ولا وجهات نظرك. ورغم هذا فإنك عندما تحزن لن تتألم إلا نفسك، وعندما تنكسر لن تتأذى إلا نفسك، وعندما تيأس لن تذبل إلا نفسك، لذا تذكر أن نفسك لك و ليست للآخرين، يقول الفيلسوف و الكاتب المسرحي الروماني سنيكا: "رأيك بنفسك أهم من رأي الآخرين فيك".