فضيلة العرفان في عالمنا


دون شك أنه يمكن الملاحظة بسهولة أن في العالم الكثير من العلماء، سواء معاصرين أو رحلوا، خلدوا أفكارهم وإبداعاتهم ومخترعاتهم بيننا، والحقيقة التي نعلمها جميعاً أن بين يدي البشرية بأسرها اليوم معارف وعلوم ومخترعات، ساعدت على أن نعيش حياة مميزة وأكثر راحة واستقرار وتفوق، ونعلم في الوقت نفسه، أن البعض من تلك المخترعات والمبتكرات أحدثت نقلة مدوية في مسيرة البشرية، وأنه لو لم تكن على أرض الواقع فإنه من المحتمل أن يكون الإنسان لازال يعيش في الكهوف ويتنقل بحذر وخوف خلال بحثه اليومي عن الطعام. رغم كل هذا الأثر الكبير العظيم، فإننا بطريقة أو أخرى نجهل هؤلاء العلماء، وعدم المعرفة ليست هي المعضلة، ولكن أن توجد وسائل وتقنيات تحاول صناعة القدوة والمثل الأعلى للأجيال الجديدة من أناس لم يقدموا للبشرية شيء يذكر سوى أنهم تميزوا في شأن ترفيهي أو رياضة ما أو في موضوع ذا طابع استهلاكي، وتجاهل من صنع الحضارة وقدم للبشرية إرث غزير وكبير وعظيم لازلنا حتى اليوم ندين له بالفضل والعرفان. هذا التنكر أو عدم الاهتمام عندما يصدر من مؤسسات أو جهات ذات طابع ربحي وتوجهها الكسب المالي وحسب، لا يمكن أن تلام، لكن من غير المعقول أن تكون هناك جهات تعليمية ومعرفية وتنويرية، وتتجاهل مثل هذا الموضوع. على سبيل المثال المناهج الدراسية فقيرة في ذكر هؤلاء العلماء وسيرتهم، وعندما أستحضر المناهج التعليمية فأنا لا أشير لبلد دون سواه، بل إنني أعمم على جميع الدول في العالم خاصة عالمنا العربي. شوارعنا تخلوا من تدوين أسماء هؤلاء العلماء، ونحن لا نقيم نصب تذكارية يكتب أسفلها أسم العالم وتاريخ ميلاده ووفاته، وموجز عن حياته وأهم ما قدمه للبشرية قاطبة. قبل فترة من الزمن كانت تحدثني إحدى الصديقات قضت بضعة أيام في أسبانيا في رحلة سياحية، وأنه خلال رحلتها في غرناطة صدمت عندما شاهدت تمثال – نصب – تذكاري لابن رشد، والوفود السياحية تتوقف أمامه ويشرح لهم المرشد السياحي عما قدمه هذا العالم المسلم للبشرية، وأين عاش وأهم مراحل حياته. تقول هذه الصديقة: "رغم أنني شاهدت متاحف كثيرة وقصور غرناطة العربية ومنها قصر الحمراء، إلا أنني بكيت رثاءا على فضيلة العرفان في عالمنا العربي، وذهولاً من انتشاء الغرب وحرصهم على تكريم العلماء بغض النضر عن جنسياتهم، فقط النظر لما قدموه للبشرية من خدمات، ليس في غرناطة وحسب بل في معظم الجامعات الأوروبية". أتمنى أن نشاهد مبادرة أو توجه للنظر للعلماء ومنجزاتهم وتكريمهم وإظهار جهودهم وأثرها على جميع المجتمعات الإنسانية.