خسر السباق لكن كسب التاريخ


يعتقد البعض أن المنافسة، نوع من أنواع التسلية المشوقة مثل "التحديات"و "الرهانات" وما شابه، لكنها في بعض الحالات تحدد مصير الإنسان، فالمنافسة تبدأ منذ السنوات الأولى في المدرسة، حيث أن الشهادة هي تعتبر معيار لمستقبل الطالب، و من ثم يبدأ التنافس على المراكز الأولى و التخصصات الأفضل، و من ثم على الوظائف ذات الرواتب الأعلى، بل حتى جو العمل لا يخلوا من المنافسة، المنافسة هي التي تجعل العالم يشتعل إنجاز وابتكار وتميز، ولكن يبدو أننا في هذا الزمن تحديداً وجدت تشوهات بالغة، كما يقول رجل الأعمال الأمريكي دافيد سارنوف: " المنافسة تؤدي إلى أفضل المنتجات وأسوأ الأشخاص". تحكي لي إحدى الصديقات عن زميلة لها في مقر عملهن اعتادت أن تعمل على صعودها الوظيفي وتقديم نفسها أمام المدراء بأنها متميزة وأكثر الموظفات جدية من خلال انتهاز أي فرصة للصعود وتجاوز زميلاتها، لدرجة أنها كانت تجير البعض من الأفكار والمقترحات لنفسها دون سواها من الزميلات، تقول بأن هذه الزميلة، مرت بها ظروف صعبة، لم تجد أيا من زميلاتها في العمل من تساعدها أو تخفف عنها، لأنها طوال عملها زرعت الفرقة معهن، ببساطة لم تجد أي شخص يقدم لها يد العون، هكذا هي الحياة! كما تدين تُدان، وعندما يختار الإنسان أن يحول المنافسة الشريفة إلى منافسة قائمة على الانتهازية البحتة فعليه أن يتحمل ضريبة قراره، لا أريد بث السوداوية أو مصادرة انجازات المتميزين، لأنهم مبدعين وأيضا صادقون وهم كثر ويحيطون بنا ولله الحمد. أستحضر حادثة تداولتها وسائل الإعلام في حينها خلال سباق الماراثون العالمي، حيث كان العداء الكيني يتصدر المركز الأول طوال السباق، وخلفه مباشرة العداء الأسباني، وكانت المنافسة بينهما محتدمة، والجمهور الأسباني يهتف ببطله أن يسرع أكثر، فالمسافة ليست بعيدة بينهما، وخط النهاية اقترب، الذي حصل أن العداء الكيني توقف قبل خط النهاية معتقداً أنه وصل، بينما الجماهير صرخت بالعداء الأسباني"إفان فرناندز" لكي ينتهز فرصته الذهبية وأن يستغل هذا الخطأ الفادح و يتجاوز العداء الكيني إلى خط النهاية، المذهل أن العداء الكيني أعتقد أيضاً أن الجماهير كانت تصرخ بسبب فوزه، بمعنى أن الفرصة كانت مواتية ومهيأة تماماً للعداء الأسباني للفوز، لكن في موقف شريف، توقف خلف الكيني ونبهه إلى أن خط النهاية لا زال أمامه، صمتت الجماهير مذهولة، و فاز الكيني بالسباق، لكن العداء الأسباني فاز بأن يذكره التاريخ، كمثال للنزاهة وقمة الشرف في التنافس.