العلماء والقدوة التي نحتاج



البعض يمر مرور الكرام عندما يسمع سيرة أو حديث عن عالم في مجال الطب أو الفيزياء أو الكيمياء وغيرها من العلوم، ويعتبرهم من طبقة أخرى لا يمتون لعالمه بشيء، رغم أنهم أثروا هذا العالم وساعدوا في تقدمه وتطوره، بل هناك من ينظر لمثل هؤلاء العلماء بأنهم دارسون ولا يملكون أي حس للإبداع والتميز. وهذا خطأ تام وواضح، فلابد من الإدراك أن العلماء، هم في الحقيقة مبدعين تماماً مثل إبداع المؤلف في منجزاته الأدبية، ومثلما يبدع الموسيقي في معزوفته الجميلة، ومثلما يبدع الفنان في مرسمه ونحته، وينصهر مع لوحته ليقدم لنا حالة إنسانية مؤثرة. بل العلماء أكثر تميزاً لأنهم ببساطة يقدمون منجزات مؤثرة ومفيدة للجميع، ورغم هذا لا يفهم حجم منجزاتهم وأثرها إلا الصفوة من المتعلمين، أما باقي الناس لا يدركون عمق وفائدة هذه الاكتشافات والمخترعات، رجل الشارع العادي يتذوق المعزوفة الجميلة، ويستمتع بقراءة رواية قوية، ويلامس مشاعره مشاهدة فيلم مؤثر، أما في الرياضيات والفيزياء والفلك والكيمياء والطب، فهي أعظم تأثير على حياتنا برمتها، بل تتقاطع مع تفاصيل يومنا، ورغم هذا فإن العرفان تجاه من يعمل ويبتكر ويبدع في هذه المجالات لا يتوازى أو يتماش أو حتى يقترب مما تم تقديمه على يد عالم هندسة ميكانيكية اكتشف محرك يوفر الطاقة، أو طبيب وجد مصل لعلاج لمرض فتاك، التقدير لهؤلاء المبدعين وقتي، جائزة هنا أو تكريم هناك، والبعض حتى هذه لم يحصل عليها. أعتقد أن الاهتمام بتاريخ العلماء الذين قدموا للبشرية مخترعات ومبتكرات ملهمة، وأحدثت فرق، أمر إيجابي ومهم، وعندما أقول أحدثت فرق، فهذا يعني أن الناس كانت قبل الاختراع تعيش في وضع ما، وبعده انتقلت لوضع جديد أكثر تطور، على سبيل المثال، العالم الذي اخترع المكينة البخارية، والتي نقلت علم هندسة الميكنة لعالم الواقع وحدثت بعدها ثورة هائلة في هذا المجال، ومخترع المصباح، الذي أنار حياة الناس، والعالم الذي اكتشف المادة الإسفلتية من النفط وتسبب بأن تكون مادة لتعبيد طرقاتنا ومدنا، والطبيب الذي اكتشف مصل لعلاج الملاريا والجدري والحصبة وغيرها من الأمراض الفتاكة، وكما نشاهد اليوم نخبة من العلماء الذين يعملون على تطوير وسائل بديلة للطاقة، ويحاولون تطوير استخدامات الطاقة الشمسية، وفي هذا المجال حدثت تطورات كبيرة تبشر بخير. نحن مطالبين بأن نجعل من العلماء نجوم، وأن نصنع حولهم الهالة التي يستحقونها من التقدير والعرفان، لأن هذا التوجه ينم عن أخلاق رفيعة، وأيضاً فيه رسالة للفتيات والشباب في مقتبل الحياة، بأن هؤلاء هم القدوة الحقيقية لهم خلال مسيرتهم التعليمية والعملية، وأن هؤلاء هم المثل الأعلى لهم.