النجم القطبيّ، أين أنت؟‎



يقول آينشتاين: "الزمن وهم" وللوهلة اﻷولى تبدو عبارةً مفتقرة للمنطق، كيف يكون الزمن وهمًا وهو الحاكم الصارم على حياتنا اليومية، ومعاملاتنا، وأعمالنا، ودراستنا وكل شيء.. كيف يكون الزمن وهما ونحن لا نستطيع العيش دون حساب الأيام والشهور والأعوام؟ التعمق بمفهوم ماهية الزمان يجعلك تستوعب ما كان يقصده آينشتاين بعبارته المؤلفة من كلمتين "الزمن وهم".. أولاً ما هو الزمن؟ هذا المفهوم يبدو بديهيا ومعروفا وهذا ما يجعل إيجاد تعريف واضح وعميق له أمر في غاية الصعوبة، لكننا نستطيع أن نستشف مما قاله أرسطو كتعريف لهذا المفهوم عن ماهيّته وأصله حيث قال: "الزمن هو الحركة!" هنا ارتباط وثيق بين المكان الذي تتحرك فيه الأشياء وبين الزمان، حيث أنه بدون وجود فعل أو حركة أو حدث لن يكون هناك وجود لمعرفة زمنه.. وبالتالي لا يمكن أن يوجد الزمان في العدم. السؤال الآن هل الزمن هو نفسه الوقت؟ لا.. إن الوقت أشبه بأسلوب لقياس ومعرفة الزمن.. اﻷمر يشبه علاقة المسافة بالكيلومتر.. فنحن نقول المحل التجاري يبعد مسافة 20 كيلومتر عن المنزل.. اﻷمر مماثل بالنسبة للوقت فنحن نستخدم الساعات والدقائق والثواني، وقديماً كانوا يستعملون الشروق والغروب لمعرفة الزمن. إن الزمن بالنسبة للموجودات في هذا الكون ليس مفهوماً ثابتاً، بل مرنٌ ومتغير بشكل عجيب.. فنحن بنو البشر من الممكن أن تصل أعمارنا ل80 عاماً أو 150 في أحسن الأحوال ولكننا في نهاية المطاف لا نستطيع أن نعيش أكثر من ذلك.. فهذه هي مقدرتنا الزمانية والمكانية على العيش، ذلك أن 150 عاماً عمر طويل جداً لدرجة أننا نعدّه قرنًا ونصف قرن! ولكن 150 عاماً لا تشكّل شيئاً بالنسبة لعمر النجوم في الفضاء الخارجي.. بل ربما أن نجماً عمره 150عاما يكون في بداياته التكونية وطفولته! ما يؤكد هذه الفكرة هو أن الفيزياء الكونية أثبتت أن ما نراه في سماء الليل من نجوم هو في الواقع ليس شعاع النجوم في الوقت الحاضر، إنما هذا الشعاع أطلقته النجمة قبل آلاف السنين حتى وصل لمجال رؤيتنا في اﻷرض، ولا أحد يدري ما هو مصير هذه النجمة حالياً.. هل اختفت وتلاشت، هل تحولت لثقب أسود، أم أنها لازالت مشعة وملتهبة؟ المسافة الشاسعة والمهولة في الكون تجعل زمن 150عاماً لاشيء يذكر.. على النقيض فإن ذبابة مايو، تلك الحشرة التي تسمّى بحورية الماء نجد عمرها لا يتجاوز يوماً واحداً! ذلك أن الأربعة وعشرين ساعة بالنسبة لهذه الذبابة تمثّل نفس ما يمثله لنا 80 عاماً في هذه الحياة.. الزمن يتغير ويتماهى مع ظروف المكان والحجم، ولا يمكن أن يكون هناك زمن إن لم تكن هناك حركة.. وبالتالي نجدها حقيقة تلك العبارة "الزمن وهم" بالمناسبة، هلّا فكرت مليّا إن كان صديقنا النجم القطبي لازال موجوداً أم لا؟