البيئة والتطرف

أعتقد أن ديننا لا يحتاج لطقوس أو عادات وملامح محددة لإظهاره أو لإبلاغ الآخرين بأنك تعتنقه، وهو أيضاً في اللحظة نفسها لا يتنافى مع معطيات الحياة المختلفة التي تتعلق بإعمار الأرض وتنمية المعارف والسعي للتطور والتقدم، بل في صميمه الحث على حب الحياة والعمل والتطور والإتقان، وتوجد عدة نصوص وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، توصي وتوجه في هذا، منها ما ورد عن الرسول الكريم: " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه". قبل أيام لفت انتباهي حوار صحفي أجرته :Global Ideas مع السيد فظلون خالد، وهو مواطن من أصول سيرلانكية، يعيش في بريطانيا منذ مدة طويلة، يعمل على ربط الإسلام كدين بأهداف حماية البيئة، ولتحقيق هذه الغاية أسس المؤسسة الإسلامية للبيئة والعلوم البيئية IFEES ولكن فكرة المؤسسة نبعت من سؤال تلقاه حيث يقول:" في أوائل عام 1980، سئلت عما يقوله الإسلام عن البيئة؟ لم يكن لدي أي جواب، ولكنني اهتممت كثيرا بإيجاد إجابة، وبحثت وسألت البعض من علماء الدين، إلا أن أيا منهم لم يتمكن ممن إعطائي إجابة مرضية تتناسب مع متطلبات العصر، لذا قدمت استقالتي من وظيفتي الرسمية في وزارة الداخلية البريطانية، وكان عمري آنذاك 58 عاما، وبدأت أبحاثي في الجامعة حول الأسس الموجودة في الإسلام للعلوم البيئية وحماية البيئة، وفي عام 1994 تأسست المؤسسة الإسلامية للبيئة والعلوم البيئية،IFEES ". وفي رده على سؤال في ختام الحوار: "لقد بلغتم الآن الثمانين من العمر، ومازلتم تواصلون العمل من أجل التعريف بموضوع حماية البيئة في الإسلام، حماسكم لا يزال كبيرا جدا. من أين تستمدون الطاقة اللازمة لإنجاز عملكم؟" كانت إجابته:" لا أعرف حقيقة، ربما لأنني أضع جبيني على الأرض خمس مرات في اليوم، وأعني أن الصلاة منحتني القوة، وربما يمدني بالطاقة كذلك أحفادي السبعة الذين أحبهم كثيراَ، لقد عشت على كوكب أخضر رائع، وأريد أن أتركه في حالة أفضل مما وجدته عليها". أستحضر هذه الشخصية المسلمة التي عاشت في مجتمع غربي واندمج تماماً في داخله، ورغم هذا حافظ على دينه ويؤدي عباداته بعفوية وتسامح تام، بل من أجل سؤال عابر أسس منظمة مهمتها التعريف والعمل لحماية البيئة وفق التعاليم الإسلامية، ووجد الدعم والتشجيع، وأيضا وجد المساحة للعمل والتحرك، وهذا الذي أريد التركيز عليه بأن ديننا يمكن أن ينمو ويتعايش مع كل الاختلافات وأيا كان شكل ونوع التباين في المجتمعات. وما السيد فظلون خالد، ومؤسسته إلا نموذج لقصة نجاح واضحة المعالم بأن الإسلام لا يعد عقبة في الاندماج والعمل والإنتاج والتميز في أي حقل من حقول المعرفة والعلوم، بل المشكلة دوما هي في التطرف وما يقود إليه من إرهاب ومحاولة إقصاء الآخرين، وهذا مع الأسف الذي حدث في كثير من بقاع العالم، والمطلوب هو نشر فضائل ديننا والتسامح وتشجيعه على العمل بإخلاص والتقدم.