"المكتبة في الليل" من تأليف ألبرتو مانغويل: تاريخ المكتبات وصراعها من أجل حفظ المعرفة البش

يُقال أن النقوش المحفورة على جدران المعابد هي أول محاولة للإنسان لتسجيل أفكاره، ومنها نشأت المكتبات، و آخرون أكثر تفاؤلاً يقولون أن المكتبة نشأت مع نشوء اللغة، و آخرون يقولون أنها نشأت مع نشوء الفن، اذ أن أبرز الكتب التاريخية و هما الألياذة و الأوديسة أُنشدت قبل أن تُرسخ في مجلدات! لم يثبت كيف أنشأ الإنسان المكتبة! العبرة أنه أنشأها، يقودنا هذا الى كتاب "المكتبة في الليل" الذي يبين كيف أن الإنسان تفنن بزخرفة المكتبة و بهندستها المعمارية و التي تعد شيئاً ساحراً من الحضارة، إذ من الواضح أنه بذل لأجلها أقصى جهوده و أظهر جميع مواهبه، و في النقيض يصور الكتاب أيضاً أن هذا الإنسان قام بحرقها و تدميرها! من وجهة نظري فإن "المكتبة في الليل" يُعد طرحاً شاملاً و مميزاً عن هوية "المكتبة"، و دورها في الحضارات، بالإضافة الى التطرق لتاريخها العريق و وضعها في السياسة و التجارة، ان ذلك الكتاب غير نظرتي عن المكتبة تماماً، فهي ليست مجرد غرفة فيها رفوف كتب! انما هي ثمرة جهود أشخاص فقدوا رؤوسهم و آخرين كرامتهم، ليست جهود أفراد فقط، بل حضارات البعض منها دمرت وسُلبت ثقافاتها، و من ثم أعادت كتابتها و بنائها، لكن بالدم و الدموع، فقد تطرق في فصل "المكتبة كبقاء" ان وزير الدعاية و الإعلام في حقبة هتلر الدكتور غوبلز أعلن عام 1933 مساء العاشر من مايو و أمام جامعة برلين حرق كتب المؤلفين من أمثال "فرويد" و"هيلين كيلير" و"هاينريش مان" و اخرين، ان هذا العمل الاجرامي و الذي ليس بغريب على النازية كان مجرد بداية! فبعد اقل من خمسة أشهر على حصول هتلر على رتبة "عميد" قام النازيون بحرق مئات المكتبات اليهودية في أوروبا، و بعد نهاية الحرب بزمن طويل اكتشفت مكتبة سرية على يد المؤرخ "بورزايكوفسكي"، تمكن من إنقاذها. لقد أثر فيّ هذا الجزء كثيراً، اذ كيف في حقبة كان الناس يقتلون بعضهم البعض، كان هناك آخرين ينقذون الكتب!. مرة أخرى تظهر الحرب في فصل "المكتبة كنسيان" و اقتبس من صفحة:191 "في ابريل 2003 اتخذ الجيش الأمريكي- البريطاني موقف الحياد عندما سلبت و نهبت وثائق الوطنية و المتحف الاثري و مكتبة بغداد الوطنية. خلال ساعات فقط ارسل الى غياهب النسيان الكثير من التاريخ الموثق للجنس البشري". لا اعرف ما هي مشكلة الحروب مع الكتب، ألا يكتفون فقط بقتل الناس؟!. كان الكتاب مزوداً بصور بعضها تاريخية، لأغلفة أهم الكتب في تلك الحقبات، و تصاميم أشهر المكتبات و أكثرها غرابة، و صور لشخصيات بارزة من كتّاب و رؤساء.

الكتاب من تأليف "ألبرتو مانغويل" وهو روائي و مترجم و كاتب مقالات، يعيش في فرنسا و يعمل مديراً لهيئة الفنون و الآداب، من مؤلفاته المنشورة لدى دار الساقي "تاريخ القراءة" و هي من أكثر كتبه مبيعا على المستوى العالمي، و "مع بورخيس".