وداعاً، فيزاليوس


ربما أنت أو أحد أقرباءك، عانى من آلام واحتقان في اللوز فانتهى به المطاف مجرياً عملية بسيطة وهي استئصال اللوز لتنهي عذاباً وأرقاً وصداعاً، ربما كذلك أثناء لعب رياضتك المفضلة شعرت بآلام في فخذك وساورتك الشكوك أن تكون كسراً فذهبت للطبيب ليطمأنك أنه ألم عضلي ووصف لك مرهماً لتخفيف من هذه الآلام.. ربما أيضاً عانيت من ارهاق مفاجئ وصداع وجفاف فانتهى بك المطاف في قسم الطوارئ ليضعوا محلولاً مغذياً لك في الوريد.. مثل هذه المشاكل الصحية المنتشرة والبسيطة، وكثير من المشاكل الأخرى الأكثر تعقيداً لا يمكن أن تُعالج أو على الأقل أن يتم اكتشاف أسبابها وطرق تشخيصها من دون وجود علم يُسمّى "علم التشريح البشري الحديث" وومؤسّسه هو العالِم البلجيكي أندرياس فيزاليوس.

لعل البعض يدرك الصعوبة التي واجهت العلماء والمفكرين والفلاسفة عند التعبير عن فكرة أو مفهوم جديد أو تأسيس وتطوير علمٍ ما، ففيزاليوس هو الذي سمّى كثيراً من أعضاء الجسم البشري كالشاريين والأوردة والغدد والعضلات والعظام، وهو من ساهم في في اكتشاف أن الشخصية البشرية والعواطف والسمات يتحكم فيها الجهاز العصبي والدماغ وليس القلب، إلى جانب رسوماته التشريحية الدقيقة وتجديده لعلم التشريح ليأخذ منحاً منطقياً وصحيحاً ودقيقاً، فقبل فيزاليوس كان الأطباء يشرحون الحيوانات ويسقطون النتائج مما يرونه من تركيب الأعضاء ووظائفها على الجسم البشري، إلى أن قرر هذا العالم أن ينهي هذه المهزلة وقام بتشريح جسد إنسان وأجرى تجارب عديدة عليه حيث استأصل الأنسجة بواسطة أخذ خزع من أماكن مختلفة من الجسم، وسمّى كثيراً من الأعضاء وعرف تركيبتها الحقيقية التي تختلف جذرياً عن الأعضاء في أجسام بعض الحيوانات، وفي عام 1543 ألّف كتاباً عن تجاربه التشريحية بعنوان: "بنية الجسم البشري" فكانت مكافئته أن يحكم عليه بالإعدام من قِبل الكنيسة ثم خفف الحكم بأن يذهب على متن قارب لوحده ليحج في الأراض المقدسة المسيحية، تهمته كانت سرقة الجثث والعبث بها والإلحاد وإنكار مبادئ الطب القديمة وكثير من التهم التي ورطه بها أعضاء الكنيسة الكاثوليكية، ورغم أن فيزاليوس نجى من حكم الإعدام إلا أنه لم ينجوا من الموت، حيث أن عاصفة هوجاء ضربت قاربه أثناء رحلته المشؤومة وتقول بعض الروايات أنه مات غرقاً وروايات أخرى أنه تم إنقاذه ولكنه مات بعد أيام قليلة.. وأيا كان وقت موته، ومصداقية التهم التي وجّهت له من عدمها، لا أحد ينكر أن أبسط الأمور التي قمت بها لتخفف من آلامك الصحية كان الفضل في اكتشافها هو لرجل اكتشف علماً فحورب بسببه.. شكراً لفيزاليوس.