هدر الطعام، قضية تخترق الأرض بصمت


في عام 2050 سيزداد نمو السكان بما لا يقل عن ميلياريّ نسمة.. تبدو هذه الجملة كافتتاحية في فيلم خيال علمي غير أننا في الواقع نأمل أن تكون خيالاً.. لكنها واقع مناط بنا.. يهدد البقاء على هذه الأرض عدة مشاكل بيئية كالاحتباس الحراري وثقب الاوزون وانقراض الحيوانات وتلوّث الهواء والماء وغيرها، غير أن المشكلة التي نغفل عنها ونستهتر بها بل وربما نجهل حقيقة أنها مشكلة تهدد البقاء، هي التبذير والهدر بالأطعمة.

يقول تريسترام ستيوارت في كتابه "الهدر : كشف فضيحة الغذاء العالمية": " إن هذا الإسراف لهو أمر مريع في كوكب محدود الموارد ويتوقع تزايد سكانه بما لا يقل عن ملياريّ نسمة!" السؤال الآن هو كيف يمكن أن يكون الاسراف بالطعام مضراً بالبيئة وكيف يمكن أن يهدد الحياة في الأرض؟

نحن ندرك أن الهدر في الطعام يتنافى مع معظم الثقافات والأديان حول العالم أهمها ديننا الحنيف الإسلام حيث أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (لا تسرف ولو كنت على نهر جارٍ). إننا نسرف 1.3 مليار طن من الأغذية سنوياً حسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في الوقت الذي يعاني في قرابة 800 مليون شخص من الجوع حول العالم! بات من الجليّ الآن أن الهدر بالطعام عمل لا إخلاقي ولا إنساني يتنافى كليا مع احترام الإنسان لنفسه ومراقبته الذاتية لضميره، غير أن البعد الديني والأخلاقي ليس وحده المحذّر من الهدر بالطعام بل إن الأمر الآن أصبح آفة بيئية حيث أن إنتاج أغذية لا يأكلها أحد يؤدي إلى إهدار ما تحتاج إليه محاصيلها من مياه ومخصبات ومبيدات وبذور ووقود وأراض.

قد يعتقد البعض أنني أبالغ في في هذا الموضوع ولكن دراسة نشرتها مجلة ناشونال جيوغرفك تحمل أرقاما مفزعة تثبت حجم الاستهتار الذي يمارسه البعض، حيث أن 53% من الأغذية حول العالم تكون مهدرة وضائعة ما بين كونها لا تؤكل ورميت في قمائم المنازل أو تطرح جانبا لدى الباعة أو أنها تضيع خلال مرحلة التصنيع والتعليب.

في الواقع الأمر ليس سوداوياً جداً فمشكلة الهدر في الطعام قابلة للحل لو كنا ملمّين بخطورتها فهي ليست خارجة عن السيطرة مثل مشاكل التلوث النفطي أو الغازي، إنما حلّها يبدأ الآن ومن منزلك وبأبسط الطرق، من هذه الطرق اتخاذ قرارات مسبقة عن الأطعمة التي سيتم شراءها أو طلبها من المطعم قبل الذهاب إليه، والالتزام بطلبها فقط وفق كمية متوسطة أو قليلة، حيث انه لا مانع إن لم تشبع أن تطلب مجدداً ولكن المشكلة هي إن طلبت أطعمة عشوائية بكميات كبيرة ينتهي مصيرها في القمامة، وبعد الانتهاء احمل ما فضل من الطعام إلى البيت معك، وشجع المطاعم على التبرع ببقايا الطعام، أيضاً يُنصح ان يتم التسوق لمرات عديدة في الأسبوع لتشتري كل مرة ما يكفيك لبضعة أيام، كذلك يمكن أن تراقب منسوب الطعام الذي يُرمى في منزلك وأن تحاول أن تحد من هذا الاستهلاك والاستهتار، في أحيان يكون الطعام الفائض عبارة عن مواد منتهية الصلاحية، هنا يمكن الاستعانة بعدة تطبيقات الكترونية للتذكير بموعد تاريخ انتهاء صلاحية الأغذية مثل foodKeeper أو عن طريق شراء كميات قليلة يُضمن أن يتم استهلاكها قبل انتهاء صلاحيتها. تجميد الاطعمة الزائدة وتناولها في اوقات أخرى أو مع وجبات أخرى يساهم كثيراً في التقليل من عملية الهدر الغذائي.

هل يمكنك أن استعياب أن بتنفيذ حلول بسيطة كهذه مع استيقاظ الضمير الانساني يمكن حل مشكلة تهدد البقاء البشري على الأرض؟