المرض وما يحمله من شفاء


عادةً ما يكون مكروهاً، مرفوضاً، والكل يسعى لتجنبه والوقاية منه، إنه المرض! عدوى أو تسمم أو نقص بالتغذية عامل وراثي أو بيئي يتسببون لك باعتلال وظيفي يؤثر على صحتك العامة وقدراتك الجسدية والذهنية.. لا شيء في معركة المرض محبّذ وجذاب.. معترك موحل الكل يتمنى المرء فيه أن يخرج بأسرع ما يمكن ليعود لحياته الطبيعية، حياة الصحة والقوة والشباب. لكن هل فكرنا يوما بالمرض كمعلم صارم؟ كأب مربّي؟ أو كمرشد يدفعك للأفضل قسراً؟ قلّة من الناس الذين ينظرون للأمراض من هذا الجانب، فلاشيء جيد يأتي مع فقدان الصحة والألم والشعور بالعجز.. ولكن ربما هذه نظرة سطحية فحسب؟

في الواقع نحن مشغولون دوماً في هذه الدنيا، أعمالنا وأطفالنا وأقاربنا وواجباتنا.. في هذه المطاردة المحمومة خلف انجاز المهام والتكاليف تنعدم الذاتية، ويغرق مفهوم حب النفس في داخلنا.. فيأتي المرض ليعطينا حيزاً ومجالاً ووقتا لنبطئ من وتيرة الحياة ونهتم بأنفسنا قليلاً.. بل في الواقع سيسمح لنا المرض ان نرتب أولوياتنا وفق ما يريّح أجسادنا ويهيْ لها الأفضل ويحميها من تفاقم آلامها.. سنبدأ نفكر بأنفسنا.

نقطة إيجابية أخرى تتفضل بها الأمراض علينا وهي أنها تمحّص الناس من حولك وتظهر لك معادنهم الحقيقية، فتلك الجموع الغفيرة المتلفة حولك لأجل منصب وجاهٍ وسمعة، ستختفي كلياً عندما تصبح عاجزاً واهناً وضعيفاً، لن يبقى حولك إلا أولئك الذين أحبوك بصدق وتقبّلوك كما أنت بمزاياك وعيوبك وقوتك وضعفك.. يتيح لك المرض، أن تعرف الوجوه الحقيقية لأصدقاءك، وأن تميز بين أصحاب الكلام المعسول والمصلحة وبين أولئك الطاهرين المحبين لك بصدق، ستعرف من يستحق ثقتك وحبك.. رغم أن المرض طريقة بشعة لمعرفة معادن الناس، إلا انها طريقة فعّالة ومجدية للأسف.

ولكن تذكر، ربما أنت لست بمعزل عن أولئك المزعجين الذين يلتفون حول الناس لأجل مصالحهم، ربما أنت أيضا نافقت يوما، وكذبت، وطمعت، ربما أهنت إنسانا أو جرحته لأنه أضعف منك ولن يفيدك بشيء.. لماذا تعتقد أنك دوما محق وعظيم وصاحب شأن؟ إن المرض يأتي كسهم يخترق هذا الكبرياء الكاذب، ويطهرك من عوالق الدنيا الفاسدة التي ترسّبت على روحك، سيعيدك المرض لنقطة الصفر، حيث تتذكر انك مجرد إنسان ضعيف لا حول له ولا قوة، تلك الآلام اللامرئية ستذكرك أن الجبروت زائل، والقوة وهمية، والدنيا ليست إلا كذبة جميلة، وبالتالي ستنظر للحياة من أفق واسع، سيهديك المرض الحكمة والنبل، لتتخرج من مدرسته إنساناً آخرام مفعماً بطاقة نبيلة وروحانية جذابة.

إن كنت تعاني أو أحد أقربائك من مرضٍ أو اعتلال ما.. حاول ألّا تملأ قلبك بالكره لهذه الآلام.. فهي بطريقة أو بأخرى، تجعلك إنساناً أقوى.