ما هي فائدة العلم إذا انفصل عن الإنسان؟


أتذكر خلال بطولة نهائيات كأس العالم الماضية، وبعد خسارة مدوية للمنتخب البرازيلي، قام مخرج المباراة بترك الكاميرا تتحدث عن الأجواء وأخذنا في جولة على المشجعين الذين كان البعض منهم يبكون بحرقة، والبعض الآخر مصدوم ومشدوه من الهزيمة الغير متوقعة والخروج من التصفيات دون الحصول على الكأس، على الطرف الآخر ومع المنتخب الفائز كان الجمهور أكثر صخب وضجيج، بل فوضى عارمة في التعبير عن مشاعر الفرح والابتهاج والرقص، وفي مرة شاهدت خبر على إحدى القنوات الرياضية بثت لقطات لمشجعين إحدى الفرق في الدوري الانجليزي، تحولت لأعمال شغب واعتداء على المارة، ثم حدث تشابك بين أنصار الفريقين وعراك تدخلت على أثرة قوات الأمن.

هذه المشاهد والأخبار استحضرتها وأنا اقرأ ما نشر قبل فترة من الزمن في صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية بقلم جيمس سي ما كيلي، بأن التشجيع ليس لعبة رياضية وحسب بل أنها ممتدة في عمق الذاكرة البشرية، وما يحير العلماء هي جملة من التساؤلات الهامة في عدة مجالات في هذا الموضوع، من أهمها كيف تنشأ هذه العلاقة القوية بين الفرد وفريقه الرياضي؟ وكيف ينمو كل هذا الحماس والتعصب في أحيان كثيرة؟ بل كيف يختار المشجع فريقه؟ ولماذا؟ وغيرها من التساؤلات التي لا نلقي لها بال، لكنها تشكل جوهر الموضوع لدى علم النفس.

شبه البعض من علماء النفس ما يحدث في الملاعب الرياضية بما كان يعيشه الإنسان في عصور سحيقة قبل الحضارة، حيث كان هناك محاربون يدافعون عن الناس، ويلقون التشجيع والتأييد والمازره، أما في العصر الحديث فإن اللاعب هو من يقوم بدور المحارب في الملعب، البروفسور روبرت سيلاديني، المتخصص في الطب النفسي، يقول: " أبطالنا الرياضيون هم محاربونا ".

أهمية مثل هذه الدراسات وبحوث علماء النفس، ومقالاتهم وآرائهم أنها تتناول دوما مواضيع هامة تتعلق بوقائع وفعاليات نعيشها يوميا، ولعلهم يسلطون الضوء عليها لنفهم أسباب كل هذا التشنج والتعصب الرياضي الذي يطل برأسه بين وقت وآخر علينا. فالبروفسور سيلاديني، باحث منذ عام1970م في موضوع المشجعين ومنذ ذلك الحين بدأ التوثيق العلمي، وقد خرج بنتائج جوهرية وعميقة، مثل قوله : "إن الأنصار الرياضيين كانوا أكثر ميلاً لارتداء ملابس تحمل شعار فريقهم الفائز بعد كل انتصار للفريق بشكل اكبر مما في حالة خسارة ذلك الفريق، وهي ظاهرة أطلق عليها الاستمتاع بإظهار المجد و التفاخر". وفي بحث آخر له قال: " إن أنصار الرياضة يميلون إلى ادعاء الفخر بسبب نجاح فريقهم، بقولهم: لقد فزنا، عند وصف النصر، لكن يميلون إلى النأي بأنفسهم عن أي خسارة للفريق بقولهم: لقد خسروا، عند وصف الخسارة".

من هذا الموضوع الحيوي والهام الذي نشر في نيويورك تايمز، أتوقف عند ملاحظة التسطيح للعلوم الإنسانية في عالمنا العربي، حيث لا نجد تواجد فعلي وحقيقي لعلم الاجتماع والنفس والاقتصاد وغيرها، لا نشاهد أساتذة هذه العلوم، يتفاعلون مع قضايا المجتمع المختلفة ولا يولونها الاهتمام من خلال دراستها ونشر هذه الدراسات من اجل العلاج والتوعية، ما هي فائدة العلم إذا أنفصل عن الإنسان وحاجاتها؟ ...