لماذا السباق في هذا المضمار ؟


نسمع بين وقت وآخر عن ميزانيات ضخمة تم رصدها وتوجييها فقط لدعم البحوث العلمية، ونتساءل كيف يمكن رصد ملايين الدولارات للبحث في جوانب قد لا يكتب لها النجاح؟ وحتى لو حققت البعض من النجاح فإن المردود المادي لاستثمار هذا النجاح قد لا تكون كافية لتغطي المصاريف، لكن الوضع في مجال الاستثمار في مجال البحث العلمي لا تتم وفق هذه المعادلة المادية أو حساب الخسارة والربح، والسبب أن دعم البحوث العلمية لابد وأن يرتد ايجابيا على المجتمع الذي يولي هذا الحقل نصيب الأسد. بمعنى أن الكثير من دول العالم تجاوزت مسألة التساؤل عن الخسائر، وتوجهت نحو حقل البحوث وقدمت له الدعم الذي يحتاجه. لن أستعرض ما حققته سياسة دعم البحوث العلمية للكثير من المجتمعات في العالم مثل أمريكا أو الدول في أوروبا، من فوائد جمة وكبيرة، لكنني أتوجه نحو مثال حديث ينمو ويتطور والسبب هو البحث العلمي، وأقصد تحديدا، الصين، هذا البلد الذي حقق في غضون أقل من عشرين عاما قفزات هائلة وكبيرة على مستوى العالم برمته، والسبب هو البحث العلمي، حيث تقول الإحصائيات أن استثمارها في الأبحاث العلمية والتنموية تجاوز الاتحاد الأوروبي في عام 2013، ليس هذا وحسب بل هناك توقعات بأن تتجاوز الولايات المتحدة، خلال أقل من عشرة أعوام. ويقال بأن البحوث المقدمة من علماء الصين كانت لا تتجاوز 3% خلال منتصف التسعينات، لكنها لامست 20% بنهاية العام 2014وبالتالي بات واضحا بأنها تهدد مكانة أمريكا الأولى في العالم في دعم البحوث العلمية والإنفاق عليه، ولعل استحضار نموذج الصين يكون مفيد لكل من لم يقتنع بجدوى تخصيص ميزانيات مجزية ووفيرة على البحوث العلمية، لأن الصين ونموها الاقتصادي حديث وماثل أمامنا، وهو تقدم لم يأتي من فراغ وإنما بحزمة من السياسات والخطط البعيدة الأمد والقريبة، ولأنها عملت على تنفيذ جملة من البرامج الحيوية والهامة لأي عملية تقدم ومنها الإنفاق على البحوث ودعم العلماء وتهيأت الأجواء المناسبة لهم للعمل والتميز، وبناء منصات علمية ليتمكنوا من خلالها من التوأمة والعمل المشترك مع مختلف مراكز البحوث في العالم وتبادل الخبرات والمعارف. مع الأسف كثير من دول عالمنا العربي بل ومعظم أرجاء العالم تتجاهل هذا الجانب الحيوي ولا توليه العناية والاهتمام، وإذا تمت عمليات دعم فإنها تكون شحيحة ومحدودة، بينما العلوم من الطب إلى الفيزياء والكيمياء والطاقة والفضاء وغيرها تحتاج لصبر وتخطيط وإنفاق وفق رؤية وخطة واضحة المعالم تحدد البداية والأدوات التي تستخدم وكيف يتم توجيه هذا الدعم ورصد الميزانيات، وغيرها من الأمور الفنية... الصين فهمت سر اللعبة في العالم وبدأت وتفوقت، وما علينا في عالمنا العربي، إلا التوجه الصحيح نحو هذا المضمار الذي بوساطته تبنى الحضارات وتقوم الأمم وتنهض الشعوب وتتفوق.