كوكبنا التفاؤل والأمل


أتوقف دوما أمام الوقائع، لأنه من خلالها يمكن رؤية الكثير من البديهيات والحقائق، خاصة في هذا العصر المعلوماتي الذي تتزاحم فيه الأخبار والأحداث بشكل متسارع. وسط مثل هذا التزاحم تأتي أخبار وتمضي دون أن يتوقف عندها الكثيرون، حيث لا يتم مراجعتها والتدقيق في بعدها وما تحمله من دلالات وجوانب مهمة قد تكشف حقيقة قضايا نعيشها وتثار بين وقت وآخر، وهذا يفوت على الكثيرين ليس معرفة الخطأ من الصواب وحسب، بل أيضا معرفة طريقة تفكير العقل الذي ينسج الأوهام ويصدرها للناس وكله ثقة بأنهم يصدقوا ويقتنعوا. الأخبار الهامة التي مرت علينا بسهولة ودون توقف عديدة ومتنوعة، وفي عدة مجالات، لكنني أستحضر خبر مضى عليه بعض الوقت، وقد حفظته لدي لأهميته، وكان من باريس وتحديدا في الثاني عشر من شهر ديسمبر من العام الماضي 2015م وهو يتعلق بقمة المناخ، والتي اختتمت فعالياتها باتفاق وصف بأنه تاريخي وغير مسبوق، بل ضجّ الحضور من ممثلي 195 دولة بالتصفيق، سعادة وفرح لنجاحهم في إقرار خطة هامة لمكافحة تغيُّر المناخ، بعد أسبوعين من المفاوضات الشاقة والقاسية، ملخص هذا النجاح هو تمكن الاتفاقية من إلزام معظم الدول بتقليل انبعاثات الغازات الدفيئة، مع السعي لحماية الجُزُر المنخفضة من ارتفاع مستوى منسوب البحار، ومساعدة الدول الفقيرة على تطوير مصادرها الاقتصادية، دون الاعتماد على الوقود الاحفوري الرخيص والملوث. وليست الفرحة بسبب مثل هذه القرارات الهامة ، لكن بسبب أن هذه الاتفاقية استغرق أعدادها عدة سنوات، وهدفها الرئيسي إبقاء الاحتباس الحراري أقل بكثير من درجتين فوق الحد الحراري لعصور ما قبل الصناعة. قد يدهشكم أن البعض من علماء البيئة اعتبروا هذه الاتفاقية بمثابة طوق النجاة للبشرية، لتحسين الحياة على كوكبنا وإعادته نحو المسار الصحيح لتلافي وقوع كارثة مناخية محتملة، وهناك من وصف هذه الاتفاقية بأنها الفرصة الأخيرة للبشرية. في هذا السياق أتذكر مقولة لرجل الأعمال الأمريكي دافيد سارنوف، التي قال فيها: " ما زال الإنسان أعظم معجزة على الأرض، وأعظم مشكلة أيضا ". وهذه الكلمة تلخص لنا واقع كوكبنا الأزرق الجميل، فرغم تميز الإنسان ومخترعاته ومبتكراته، إلا أنه هو لب مشكلة هذا الكوكب، فلا تلوث بسبب العوادم أو حرائق الغابات والمحركات والمصانع، إلا وهي من صنع يدي هذا الإنسان ومن لب أفكاره... أعود لقمة باريس، وأنضم للأصوات المتفائل، ولكن تبقى الأفعال شيء آخر مختلفة عن أي اتفاقيات، خاصة وأن هناك دول هي الأكثر تلويث لكوكبنا حتى اللحظة لا يلزمها القانون الدولي بأي مسؤولية وبالتالي هي لا تخاف من فرض غرامات مالية ووضع شركاتها في قوائم ممنوعة من التعامل، وغيرها من الإجراءات، لكنني متمسكة بالأمل ومتفائلة، أن عقل الإنسان الذكي سيقوده نحو الطريق الصحيح لصالح البشرية في نهاية المطاف.