العلم والثقافة عالمين


في أحيان كثيرة، تجمعك مناسبة اجتماعية أو ثقافية أو نحوها، بعدد من الناس، وتضطر للاستماع لهم والإصغاء مطولاً لحديثهم وكلماتهم، وتكتشف تواضع في طرحهم وسطحيه بالغة في ثقافتهم، وليست هذه المشكلة ولا هي المعضلة، لأن المناسبات العامة ليست محاضرات علمية ولا هي قاعات دراسية، فقد يكون ذلك الضيف يعطي الحضور على قدر محدد ووفق مستواهم العام، وهذا مقدر وطبيعي، لكن أن تدخل في نقاش علمي وفي موضوع ثقافي تخصصي، بينما الذي أمامك يحمل شهادة عليا، وله عدة مؤلفات، ثم تصطدم بسطحية بالغة في الطرح، فهنا تكون المعضلة الحقيقية، خاصة مع تشبثه برأيه ومنافحته الشديدة عنه دون هوادة أو موضوعية.

هذا يقودني نحو جملة من المواقف لحوارات ونقاشات كانت تتم عبر شبكة الانترنت، ومن خلال مواقع علمية، في بعض المواضيع الهادفة والتي تهم شريحة واسعة من الناس مثل قضايا الزواج وتربية الأطفال، والكتابة للطفل أو بصفة عامة أدب الطفل، وغيرها من المواضيع الاجتماعية والنفسية التي لها جمهور واسع من الناس.

أقول بأنه على الرغم من حرصي على تطوير معارفي وتنمية ثقافتي في مثل هذه المواضيع، كنت سرعان ما انسحب مع ضحالة المادة العلمية التي تقدم، وكأني أستمع لدردشة أو ما يشبه السوالف، لا أكثر ولا أقل، هذا الحال ليس على الشبكة العنكبوتية وحسب، وإنما قد تجدها عل الواقع من خلال ورشة عمل تحضرها فتجد المدرب لا يملك المعلومات الثرية ولا العمق الذي تتطلع له.

لطالما تساءلت عن سبب وجود مثل هذه الظاهرة، وفي كل مرة كنت أعود عند إجابة واحدة وهي الأمية الثقافية.

وهي بحق أعتبرها تسمية أو مصطلح هام جداً، وأعتقد أننا نغفل عنها جميعا، وغفلتنا هذه تسبب الكثير من التوتر، وفي اللحظة نفسها تسبب لنا حيرة واستغراب، لكننا بمجرد أن نفهم هذا المصطلح فإن كثير من الأمور ستفسر تلقائياً ودون أي رتوش أو خطوط.

ببساطة الذي أمامك متعلم، نعم صحيح، وحاصل على شهادة عليا، نعم صحيح، لكن ثقافته العامة متواضعة، أو حتى ثقافته في الموضوع الذي يتحدث حوله قليلة وشحيحة، مرة أخرى ليس كل متعلم مثقف، مهما كانت الدرجة العلمية التي حصل عليها.

وهنا المعضلة التي نقع فيها جميعا أو على الأقل الكثير منا، وهي اعتبارنا كل من يحمل شهادة عليا عالم وعلى معرفة وثقافة بكل شيء، وهذا خطأ كبير.

بروفسور الفيزياء في جامعة جورج ماسون، جيمس تريفل، الذي كتَب وحرّر أكثَر من 30 كتاباً، لعل من أهمها كتابَه الذي لاقى أصداء واسعة وحصّل على مبيعات هائلة: "قاموس محو الأمية الثقافية" ونشر عام 1988 لديه كلمة بليغة، حيث قال: " اهتمامي ينصب هذه الأيام على محو الأمية الثقافية، تبسيط العلوم المعقدة كثقافة عامة للجميع".

أعتقد أن العالم بأسره بات يفرق بين مفهوم المتعلم ومفهوم الأمية الثقافية، لذا هذا العالم ومنذ تلك السنوات شغل نفسه بمحو هذه الأمية، وتلقين الناس المعارف ببساطة لتزيد ثقافتهم.