"يوميات القراءة" سطوة الواقع وخيال القارئ تمازج واندماج


"ثمّة كتب نمر عليها بسرور مرور الكرام، ناسين صفحة بمجرد قلبها إلى صفحة أخرى، و كتب أخرى نقرأها باحترام دون أن تكون لنا شجاعة أن نوافق أو لا نوافق، و غيرها تقدم لنا محض معلومات و تمنعنا عن التعليق، و ثمّة كتب تبقى، لأننا أحببناها لوقت طويل و بكثير من الود، نستطيع ترديدها كلمةً كلمة، بما أننا نعرفها - بالمعنى الصحيح للعبارة - عن ظهر قلب". قرأت هذه العبارة من مقدمة كتاب "يوميات القراءة" لألبرتو مانغويل، حيث كنت أتصفحه في المكتبة، إن العمق الذي لمسته في ذلك الاقتباس و الواقع الذي وصفه هو الذي دفعني لاقتنائه فوراً، إذ جعل الكتب كالأشخاص في الحياة منهم من يكون مجرد شخصية عابرة و منهم من يترك أثراً و منهم من يبقى مبهماً بلا معنى، و يذكرني هذا بالكاتب "جان بول سارتر" الذي كان يتخيل أن رفوف المكتبة هي طوابق عمارة و أن الكتب هم الأشخاص الذين يسكنونها، دون شك أن من يدخل عالم القراءة بصدق فإنه سيفهم هذا الشعور جيداً، و أؤكد على كلمة "بصدق" لأن هناك البعض ممن يدعون أنهم مثقفين و محبين للقراءة، لكنهم في عالم آخر بعيد كلياً عن القراءة.

عندما كنت في الصف السابع أو الثامن، كانت القراءة، فقد بدأت تستهويني وأصبحت أمضي ساعات وأنا أتصفح الانترنت، وأقرأ المقالات، الصحف، الدعايات، القصص، و حتى الفضائح، كنت مجنونة وشغوفة وفضولية نحو العالم، ولم أكن بعد قد علمت أن الكتب هي الإجابة على العديد من تساؤلاتي، عندما أعود إلى ذلك الماضي أجد أن أفضل عنوان له هو "يوميات القراءة" الكتاب مقسم بعناوين شهور السنة، وفي كل شهر يتحدث المؤلف بطريقة قصصية عن كتاب ترك بصمة في حياته، و يمكنني وصفه بأنه -أي الكتاب- مثل الحياة، يحوي على وقائع سعيدة وأخرى حزينة، والكثير من الأحداث والتوجهات والآراء، إنه مثل الحياة بألوانها المختلفة، على سبيل المثال في فصل"يونيو" ص٢٩:"يحلم الراوي في اختراع موريل ببيت دعارة لنساء عمياوات كان قد زاره مرة في كالكوتا". ذكرتني هذه الجزئية بفترة من ماضيّ عندما كنت مهتمة بقضايا المرأة لأقرأ تقريراً تابع لإحدى المنظمات الحقوقية، أن بعض رجال الأعمال و الشخصيات المشهورة لا يريدون من -العاهرة- أن تتعرف عليهم خشية الفضيحة فيطلبون من المهربين نساء عمياوات، هذا جانب من جوانب الحياة التي سببت لي صدمة عظيمة في مرحلة مبكرة من حياتي، و إلى جانب آخر وهو العادات والتقاليد يقول ص٦٥ في فصل أغسطس: "يروي كبلينغ كيف أن والدته عثرت يوماً على يد ولد سقطت في حديقتهم في بومباي من عُقاب أخذها من أبراج الصمت". و أبراج الصمت هي أماكن بعيدة عن المدينة توضع فيها الجثث لتأكلها الجوارح، قد يعتقد البعض أن هذه العادات الغريبة و القاسية حصلت في حقبة مظلمة من التاريخ و انطوت صفحتها، إلا أن أبراج الصمت لا تزال حتى اليوم موجودة في إيران والهند وغيرهما.

لطالما كنت أتعجب من العادات والتقاليد خصوصاً تلك التي لا أعرف ما الحكمة منها، تحدث الكاتب في ص٧٩ في فصل سبتمبر عن اهتمامه بالأديان، و اقتبس حكمة من العقيدة الهندية "الموت حين يلامسنا، يجب ألا يدمرنا، إنه يجعلنا غير مرئيين فحسب". و جاء على ذكر أحداث سبتمبر، لفتني أنه لم يقل أي شيء عن الإسلام بل حتى إنه لم يصفهم بالإرهاب الإسلامي بل قال: "القرن التاسع عشر سمّى الإرهابيين بالعدميّين، أولئك الذين لا يبالون بأي شيء. أنهم لا يخشون الموت، شعارهم هو ذاك الوحيد الذي انشده الفاشيّون خلال الحرب الأهلية الاسبانية، يحيا الموت!" و لا يسعني أن أسرد جميع المجالات المتشعبة من الكتاب، فكما قلت أن الكتاب عن "القراءة" و القراءة مثل الحياة بتنوعها، يقول الروائي الراحل ماركيز في روايته الشهيرة مائة عام من العزلة على لسان الشخصية أورسولا: "إن الزمن لا يمضي بل يعيد نفسه" وبنفس الوتيرة أقول أنا إن تجربة القراء مع القراءة لا تختلف بل تعيد نفسها، إذ لاحظت أثناء قرائتي ل "يوميات القراءة" أن هناك تشابه بينه و بين "الكتب في حياتي" لميللر و نفس التشابه مع "الكلمات"لسارتر، و دون أن أقارن نفسي بهؤلاء الكتاب العظام، إلا أني أجرؤ و أقول أن هناك أيضاً تشابه بين تجاربهم مع القراءة و تجربتي ، على سبيل المثال في الصفحة٧٨ من يوميات القراءة يقول الكاتب: " أكتب أحياناً على كتبي و حين أقراها مجدداً لا استطيع في معظم الأحيان أن أتخيل لماذا فكرت أن بعض المقاطع تستحق أن يجري التأكيد عليها بوضع خط تحتها أوماذا كنت أعني ببعض التعليقات". شعرت أنه يتكلم عني، على سبيل المثال رواية العطر لباتريك زوسكيند، التي قرأتها قبل أكثر من خمس أعوام، عثرت عليها في مكتبة المنزل قبل أيام ودفعني الحنين لتصفحها فوجدت ملاحظات بخط يدي و اقتباسات أشرت عليها، لا أجد لها أي تفسير الآن، و هذه العادة مستمرة معي، لذلك لا أستبعد أن أعود إلى كتبي بعد خمس أعوام ولا أفهم نفسي، أعتقد أن هذا من سحر الكتب، إذ تعريك و تجردك أمام نفسك لتُذهل بما فعله بك الزمن و كيف تغيرت نظرتك للأمور، ألبرتو مانغويل هو مترجم وكاتب مقالات و روائي، ولد في بوينس آيرس و انتقل إلى كندا عام١٩٨٢، تعد كتبه من الكتب الأكثر مبيعاً و حازت على العديد من الجوائز، و حالياً هو مدير هيئة الفنون و الآداب في فرنسا.