يشتم الحضارة ويستخدم مبتكراتها


عندما تسمع أحدهم يقول، أن شبكة الانترنت عالم افتراضي، فهو لم يجانب الحقيقة، بل هي تكاد تكون العالم الواقعي، لأنها تحتوي على كل نقائض وخصال الإنسان سواء تلك النزيهة أو المحملة بالقصور والإجرام، بل ديمومتها وتوسعها لا يغذيها إلا هذا الإنسان، لذا تجد في هذا العالم الافتراضي جميع أنواع المبادئ، وكل الخير والشر، تماما كالعالم الوقعي الذي نعيشه، وهذا غير مستغرب، لأن سيد هذه الشبكة ومشغلها هو الإنسان، بل أن الذي يمدها بالحياة – المعلومات – هو الإنسان نفسه، وبالتالي لا عجب أو استغراب أن تحمل ملامحه وكينونته ومميزاته ونجاحاته وعثراته وقصصه وهمومه وآماله.

إذن نحن أمام شبكة هي جزء من البشرية، وتمتد لتكون كل شيء في حياة هذا الإنسان. لم تستخدم للتعليم، أو لتحسين الحياة، وحسب. بل هناك من حملها تناقضاته وكراهيته، وأيضا آرائه ومعتقداته، ثم نافح عنها ، تماما كما يفعل في الحياة الحقيقية.

إنه الإنسان الذي يسخر كل شيء ليدور محيطه وفي فلكه، يجعل كل شيء محوره ومن أجله. أستحضر هذه الكلمات، ونحن نشاهد كل هذا الزخم الهائل من المعلومات التي يتم تغذية هذه شبكة بها، وتدعوا للكراهية والبغض والحقد والحسد، بل والقتل وسفك دماء الأبرياء، ونحن من يستخدم هذه الشبكة ونشاهد كل هذه السوداوية، التي تحاول نشر الظلام والبغضاء ونبذ الآخرين وظلمهم.

أسوق مثال يوضح مثل هذا الجانب، وهو استخدام هذه الشبكة في نشر الطائفية، وتقوم بهذا الفعل الحركات الدينية بصفة عامة، وليست محددة بدين واحد. قد يقول البعض بأن هذا طبيعي، وهو محق، لكن الغير طبيعي أن تتحول مثل هذه الممارسة لفعل منظم ويتم تدريسه من قبل هذه المنظمات، ويتم ترتيب إجراءات له، وحث الأتباع على المناصرة والوقوف صفا واحدا لنشر تلك الأفكار.

والذي أريد أن أصل له، أن شبكة الانترنت لم تعد، متنفس لكل مظلوم، بمعنى لو وجدت طائفة دينية على سبيل المثال تعاني من تضييق عند أداء طقوسها، أو توظف هذه الشبكة للتواصل مع أتباعها في مختلف بقاع العالم، لإرشادهم بسلام ومحبة..فقد يكون طبيعي، لكن الذي أشير له هو استغلال هذه الشبكة في التجنيد ونشر الأفكار والقيام بحروب فعلية محملة بالكراهية والحقد، وواضحا فيها الضيق من الآخر، وفي هذا السياق تشاهد المتناقضات على أشدها وفي أوضح صورها، لعل خير مثال لمثل هذه التناقضات، من يقوم بشتم الحضارة الغربية، وأنها دمرت القيم والإنسان، وهذا الذي يشتم يستخدم أدوات هذه الحضارة ووسائلها في التعبير عن كلماته التي تقطر سم، أو آخر يتحدث عن العدالة والإنصاف، وفي موضع آخر من حسابه في تويتر أو الانستغرام أو غيرها، أو في موقعه على شبكة الانترنت مئات الكلمات التي تغذي الكراهية والضيق من الآخر، ولا يوجد فيها أي نفس للعدالة والحقوق.

أعتقد أن شبكة الانترنت، مع مرور الوقت، تأخذ ملامح الإنسان وتناقضاته وتطلعاته وأيضا جرائمه، وبالتالي هي تتحول ببطء لتكون مجتمع إنساني بامتياز بالغ، وهذا الأمر محبط، لأن هناك من تمنى وتطلع أن تؤدي هذه الشبكة جهد معرفي وتضيف للبشرية قيمة جديدة تتعلق بالتواصل بمحبة وسلام وتسهيل لحياة الناس.