هل تتخلى أمريكا عن مبدأها العظيم


لقد أصبح التحدث عن الحرية والديمقراطية وتقبل رأي واختلافات الآخر شبه موضة، أي شخص يريد أن يظهر بأنه مثقف فإن الحديث عن هذه الأمور هي أول خطوة لذلك، لكن عندما يأتي التطبيق على أرض الواقع، تطير هذه المثاليات فجأة، فالتطبيل و الكلام أسهل بكثير من التطبيق الفعلي، لذلك قد تجد بعض "المتثيقفين" يكشرون عن أنيابهم، في أول النقاشات و الحوارات مع من يختلف عنهم في الرأي.

استحضر قصة روتها لي إحدى الصديقات، للدلالة على ما أطرحه، حيث قالت: "قبل فترة مررت بتجربة، إذ قررت أن أجرب نمط حياة النباتيين، وخلال مدة تجربتي شاهدت حساباً في الانستغرام عن لصيادين أمريكيين، يعرضون صور لاصطياد طيور وغزالان وصور أخرى لمستلزمات الصيد، فكتبت تعليق على إحدى الصور، قلت فيه: أعزائي القتلة توقفوا عن قتل الحيوانات. جاءتني الكثير من الردود من صيادين كانوا يسخرون مني و آخرين علّقوا على صور قططي بأنهم سيكونون حساء لذيذ على العشاء، في ذلك اليوم لم أسلم من التهكمات و الهجوم، و تعرضت كذلك لكلمات لاذعة و قذرة، لكن الذي فاجئني هو أن حساب الصيد هذا، قام بحذف التعليقات السيئة التي تعرضت لها، رغم أني وصفتهم بالقتلة، و كان يفترض أن ينحازوا مع الصيادين الذين وجهوا لي تلك الألفاظ، إلا أنهم لم يرغبوا أن تتحول صفحتهم إلى مزبلة لأسوأ الكلمات، و كان يمكنهم أيضاً و بكل بساطة حذف تعليقي و حظري، إلا أنهم لم يفعلوا". تواصل هذه الصديقة قائلة: "أعتقد أنه يحق لي تفسير هذا الفعل كتقبل لرأيي و اختلافي".

إن المشكلة الحقيقية التي نعاني منها - و بالتأكيد تعاني منها البعض حتى في أمريكا وأوروبا - هي التعصب، لأي رأي، سواء كان صحيحاً أم خاطئاً، هذا هو الذي يقتل القدرة على تقبل آراء أخرى، فهو مثل العمى، يجعلك لا تبصر شيئاً إلا رأيك، و مثل الصمم، لا تسمع شيئاً من الآراء و الأصوات الأخرى، يقودني هذا إلى ما حدث قبل فترة في إحدى اجتماعات المرشح للرئاسة الأمريكية دونالد ترمب، إذ حضرت سيدة مسلمة ترتدي الحجاب اسمها روز حامد، و كانت تضع شعاراً على قميصها جئت بسلام، إلا أنه تم طردها من التجمع و كان أنصار ترمب يهتفون حولها، و قد توقف ترمب عن الكلام و التفت ليشاهدها تُطرد دون سبب وجيه.

أعجبتني إحدى التعليقات على هذا المقطع التي قالت: "ليس الأمر الخطير أنها طُردت و لكن الخطورة أن ترامب لم يوقف هذا التصرف، إذا كان يريد أن يصبح رئيس لأمريكا، فيجب عليه ألا يزعزع هذا الاتحاد!. لقد كان شعار أمريكا دائماً "اختلافنا سر نجاحنا" و في اعتقادي أن ترامب يقود أمريكا مائة سنة إلى الوراء، فما الفرق بين هذا الموقف و بين ما حدث قبل أكثر من ستين سنة في ديسمبر ١٩٥٥ عندما تم طرد و اعتقال الناشطة الأمريكية "روزا باركس" من الحافلة لأنها رفضت التخلي عن مقعدها لرجل أبيض. لا أزال أؤمن أن أي: مؤسسة / وطن / مجتمع...إلخ. أو حتى على مستوى الأفراد، لن يحققوا النجاح و السلام النفسي طالما أنهم متعصبين لأفكارهم و آرائهم ضد أفكار وآراء الآخرين، لأن التعصب لا إرادياً يقود إلى الكراهية، و الكراهية هي إحدى أشكال العنف الروحي المقيت، يقول الناشط السياسي مارتن لوثر كنغ: "لا تعني عبارة لا للعنف تجنب العنف الجسدي الخارجي فحسب، وإنما العنف للروح أيضاً"...