لم يكن موته عبثاً

في قلب كل واحدا منا رغبة عميقة لمد يد المساعدة للآخرين، هذه الرغبة فطرية في كل إنسان، تنمو وتكبر لدى البعض وتصغر وتكاد تضمحل لدى البعض الآخر، لكنني أجزم بأنها رغبة تولد مع كل واحدا منا، وتوجد مع بداية النبض في القلب، ولا تتوقف إلا بتوقف هذا القلب.

الشواهد في عالمنا كثيرة عن قصص الإيثار والمحبة والرغبة الصادقة في مد يد العون والمساعدة لأناس لا تجمعك بهم أي صلة قرابة أو معرفة سابقة، من مثل هذه القصص ما قرأته قبل بضعة أيام على موقع بي بي سي، عن قصة وفاة المستكشف القطبي البريطاني هنري ورسلي بعد إصابته بالإجهاد والجفاف أثناء محاولته عبور القطب الجنوبي، وهذا المغامر ضابط سابق في الجيش ويبلغ من العمر 55 عاماً، قضى 71 يوما في محاولة عبور القارة المتجمدة الجنوبية، ليصبح أول شخص يفعل ذلك بدون مساعدة أحد.

البعض منا وعندما قرأت الخبر، سيتبادر لذهنه مباشرة مغامر وحاول أن يحقق رقم قياسي وفشل، لكن الحقيقة مختلفة تماماً عن الرغبة في تحقيق رقم قياسي جديد، أو أن الهدف لفت انتباه العالم والشهرة، لأن الذي كان يسعى له هذا الإنسان، هو جمع 100 ألف جنيه إسترليني لصالح صندوق "إنديفور"، المعني بمساعدة المصابين والمرضى من الجنود والنساء، ولتحقيق هذه الغاية بدأ رحلته من الساحل إلى الساحل والتي يصل طولها إلى 1770 كيلومترا وخلالها يسحب خلفه زلاجة تحتوي على غذائه وخيمته ومعداته، وتكمن خطورة هذه الرحلة في عبور القارة القطبية بدون مساعدة أو دعم من أحد، وبدون إسقاط إمدادات أو مساعدة من كلاب أو أي مصدر آخر – حسب الخبر - وقبل انطلاق رحلته التي تعتبر الأولى من نوعها، قال لمراسل بي بي سي إنه يتوقع أن يفقد وزن بواقع 12.7 كيلوغرام خلال تحديه، وأضاف أن رحلته ينبغي أن تستغرق 75 يوماً، وأنه سيأخذ معه غذاء يكفي لمدة 80 يوماً، وقال : "قد تستمر لفترة أطول". وردا على سؤال هل هو "مجنون" لخوض هذا التحدي، أجاب :"ما يدفعني لذلك هو جمع أموال لصالح هؤلاء الجنود المصابين". شكل خبر وفاته صدمة في المجتمع البريطاني، وتحدثت جماعة ريمارك التي كانت تدعم جهود ورسلي، إنه كان على بعد 30 ميلا من تحقيق هدفه النهائي. وأضافت الجماعة في بيان :"عندما انتشلت وكالة إعداد الجولات السياحية القطبية، كان يعاني من إجهاد شديد وجفاف". وأضافت :"نقل إلى المستشفى في بونيتا أرينا في شيلي وتبين إصابته بالتهاب البريتون البكتيري". وقالت: "أدى ذلك إلى خضوع هنري لعملية جراحية، لكن على الرغم من بذل كافة الجهود من جانب الوكالة وفريق العمل الطبي، أسلم الروح".

تضحية هذا البطل لم تذهب سدى فقد تمكن من جميع المبلغ المحدد، لكن تبقى رغبته في مساعدة الآخرين، وفعل المستحيل من أجل شفائهم وأن يجدوا العلاج، لها دلالة وقيمة إنسانية بالغة الأهمية على مدى ما يملكه الإنسان من قدرات كبيرة للرحمة والمحبة والسلام، فقط لو أفسحنا لها المجال في قلوبنا للنمو.